مدونات

عالم مصنوع من الجينات Genes والميمات Memes

تأثير الجينات

إن العالم يتغير على مر الزمن، وهذا التغيير نطلق عليه تسمية “التطور”. يعتمد التطور الحيوي (أي التغيير عند الكائنات الحية) على المعدلات النسبية لبقاء الجينات المتنافسة. حيث أن جميع الكائنات الحية تبنى جسديا وسلوكيا من الجينات، وجيناتها تعمل بمثابة تعليمات بناء، وهي مشفرة في حمضها النووي DNA، وعندما يؤكل حيوان ما أو يموت فإن نسخته (أي جيناته) تندثر. وبالتالي فإن الجينات تستمر خلال أجيال من الحيوانات التي تفادت الموت قبل أن تتكاثر، وتمكنت من التكاثر لتمرير جيناتها إلى الجيل القادم. إن العالم مليء بالجينات التي جاءت خلال خط مستمر من الأسلاف الناجحين.

تعطي الجينات تأثيرات على الأشكال الظاهرية مثل الأجسام. وهكذا تمثل الكائنات الحية آلات بقاء لجيناتها. والجينات تقنيا هي ناسخ للمعلومات، بينما الكائنات الحية هي ناقل لها. ووظيفة الجينات هي إعادة إنتاج نفسها في أجيال من الناقلين من خلال عملية التكاثر.

هذه خلاصة كتاب “الجين الأناني” لعالم الأحياء ريتشارد دوكنز، وهي لم تكن أفكاره الأصيلة، وإنما قام بتعديلها وإعادة صياغتها. ويعتبر كتاب “الأنماط الظاهرية الممتدة” الإسهام النظري الرئيسي لدوكنز، والذي هدف منه إلى إعادة اكتشاف الكائنات الحية من منظور جيني خالص. فالجينة هي وحدة بيولوجية لنقل المعلومات والخصائص الوراثية عبر الأجيال متعاقبة.

وهذه العملية تخضع لمبدأ الانتقاء الطبيعي، أي حصيلة المؤثرات البيئية. وعندما يتجاوز تأثير الجينات الجسد الذي يحتويها، أي تمارس تأثيرها عن طريق السلوك، فإننا نسمي آثار هذه العملية “الأنماط الظاهرية الممتدة”.

فأوكار الطيور وسدود القندس هي أنماط مظهرية ممتدة لأنها مبرمجة لدى هذه الكائنات جينيا. يعترف دوكنز بأن الإنسان كائن متفرد، وما يجعله متفردا هو أنه كائن ثقافي وليس بيولوجي محض؛ لذلك ابتكر مفهوم “الميمات” والذي تناوله في شكل موجز بكتاب “الجين الأناني”.

تعريف الميم وكيفية انتشارها وتطورها

يشير مصطلح “الميم” إلى وحدة الانتقال الثقافي التي تنتقل لاجينيا أو بالمحاكاة. والميم ليس أكثر من فكرة، والأفكار تنتقل بين الأذهان وتتخذ شكلا من الاستقلالية عن الأفراد الذين يعتنقونها، وتؤثر في سلوكهم. والإنسان هو الكائن الحامل والمفعل لهذا التقليد الذي بدء شفهيا وبصريا، ثم عبر وسائل كالكتابة، الإعلام المرئي والإلكتروني.

هذه المتضاعفات الثقافية تشابه المتضاعفات البيولوجية (الجينات) من حيث أنها تستمر زمنيا، وتؤثر على سلوك الأفراد والبيئة التي يعيشون فيها، والتطور الذي يطرأ عليها، إضافة إلى استعمالها العقول كـ”آلات بقاء”. وكل الظواهر الثقافية التي تحيط بنا كالدين والعلم والثقافة الشعبية والفنون تطورت بفعل هذا النوع من المتضاعفات أو الميمات.

تحتاج الميم إلى أن تظهر في ذهن شخص واحد كي تنتشر. فعندما تزرع ميما (أو فكرة) في دماغ ما، فإنها تحوله لوسيلة لنقل نفسها لعقل آخر، تماما كما يفعل الفيروس الذي يتطفل على الخلية. ولنأخذ مفهوم الإيمان بالإله كمثال.

لا نعرف بدقة متى وكيف نشأت هذه الفكرة بشكل واضح، لكنها ناشئة من تحولات مستقلة متعددة، بمعنى أن تجميعة ميمية مشاركة كونت ميم “الإله”. فهذا الميم يوظف الموسيقى والكلمة والأبنية والفن والتربية لينسخ نفسه ويضمن نجاحه من خلال التضاعف في مليارات العقول. لكن ما الميزة التي تقدمها هذه الميم لحامليها؟ هنالك عدة دراسات مختلفة المجالات، سأكتفي بذكر 3 استنتاجات منها:

1- القيمة النفسية التي تقدم شعورا مريحا فيما يتعلق بالهواجس الخاصة بالموت.

2- قدرتها على منح هوية لأفراد هم بحاجة لتكوين جماعات متعاونة ضد المنافسين.

3- الطاقة التي توفرها فيما يتعلق بالأسئلة الاستفسارية.

وفي الحقيقة قد لا يهم مناقشة الفائدة التي تحققها فكرة ما، إن وجدت، طالما أنها أصبحت موجودة ومنتشرة فعلا. وهي لا زالت تحقق نجاحا كبيرا من ناحية وجودها وتأثيرها.

من الواضح أن بعض التقليدات متوارثة ثقافيا وتتم بطريقة عفوية دون تفكير في الحيثيات ودون وجود مبررات خاصة لدى مُفعِّل ذلك التقليد؛ وأن عملية تناسخها احتكمت لظروف معقدة ومسارات مستقلة خضعت بدورها لصدف تاريخية وتطور مجتمعات أخرى وتأثيراتها فيها. وعادة ما تكون هذه الظواهر التواصلية عصية على النقد أو المساءلة وتحقق خلودها الذاتي عبر إحباط الاستفسارات العقلانية. من الواضح أن فكرة العقاب بعد الموت لعبت دورا كبيرا في “أبدية” فكرة الإيمان لمزاياها في التأثير النفسي العميق.

تنتقل الميمات بوتيرة أسرع بكثير من الجينات، وهي تخضع لتعديلات كبيرة خلال النسخ، بالتالي فإن هذا يضمن تطورها بشكل أسرع بكثير. فالجينات تتعرض لأخطاء وإبدال في النسخ وتسمى هذه الأخطاء “طفرات”. بينما تتعرض الميم لتغيرات حسب الظروف التاريخية والمحيط الاجتماعي وعواطف الأفراد، ويمكن تسمية هذه الظروف “الانتقاء الثقافي”. وفي الوقت نفسه قد تختلف طرائق تجسيد الميم كما يختلف المفعل عن الحامل الأصلي للميم. لكن هذا لا يعني اختلاف الميم نفسه بالضرورة (والذي يهدف لإعادة إنتاج نفسه)؛ فجميع العلماء يتبنون نظرية داروين رغم أن المضمون العصري لها يختلف عن النظرية التقليدية. وأعتقد أنه ليس من الخطأ أن نعتبر اليهودية والمسيحية والإسلام في جوهرها ميما واحدة طالما أن جميع أتباعها يؤمنون بذات الإله.

إن مبدأ المنافسة يحكم انتشار الميمات، والتي قد لا تتنافس بشكل مجرد فحسب، بل تدفع مفعليها إلى التنافس أيضا. بهذا التفسير يمكن أن نضيء على كثير من الحروب في صورة تنافس ميمات متضادة. كما يمكن للميمات أن تدعم بعضها لتضمن انتشارا أوسع، مثل ميمات الإيمان والجنة والجحيم والحياة بعد الموت. وقد تعزز الجينات والميمات بعضها، وقد تتنافس أيضا، وهذا نلاحظه في ظاهرة “اللا إنجابية”.

في عصر ثورة المعلومات، تستمر عملية انتشار الميمات والتي تتجلى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ تنتشر الأفكار والمشاعر والممارسات بسرعة مهولة. الميمات بطبيعتها مجردة وتنتقل بطريقة غير مادية لكن آثارها تتجسد ماديا في السلوك الاجتماعي للناس وفي الظواهر الاقتصادية والسياسية والدينية الخ.

يتخذ انتقال هذه الأفكار أشكالا حاملة للميم كالهاشتاغ مثلا، أو الرموز التعبيرية التي تنتشر بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي بالمحاكاة. لكن تلقي هذه الأفكار هو الذي يحدد المدة التي تستمر خلالها هذه الميمات في الوجود، أي أنها تخضع لعملية انتقاء. هناك ميمات صمدت في الوجود ماديا عبر النشر والتخزين في الذاكرة الجمعية وتحويلها إلى مرجع أو رمز لحدث معين يحييه الأفراد بالطقوس والاستذكار.

يمكن النظر إلى العالم المحيط بنا، والذي هو قائم في أغلبه على التراكم الثقافي، على أنه تجسيد مادي للميمات، ولكنه لم يكن ليقوم أيضا دون ظهور أساس جيني شكّل دماغنا الذي هو مستودع الميمات الذي يتيح تناسخها داخل مكونها الثقافي. إن عالم اليوم هو عالم مصنوع من الجينات والميمات.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى