مدونات

عالم حربائي

للأسف هذا هو عالمنا، مصنع للتفاهة، و مسرح للسخافات..

لقد مل العالم من التجارب الاجتماعية المنتشرة على شاشات التلفاز و مواقع التواصل الاجتماعي و القنوات التي تبث على شبكة الانترنت، لا لشيء إلا أنها لم تعد -كما لم تكن أصلا- عفوية، حيث أنها أغرقت في التكلف و الصناعة السينمائية
بغرض الربح و زيادة نسب المشاهدة و رفع عدد الجمهور المتتبع بكل الطرق المشروعة و غير المشروعة.

عالم لا يعترف بالإبداع و لا بقيمة الفن و الفنان لذلك تبقى اللغة المعمول بها هي لغة البزنس، حيث لا شيء يعلو على الدولار و الريال والدرهم.. كل شيء خاضع للتفاوض و العرض و الطلب. هنا يغيب الضمير و يقتل الإبداع و ينتحر الجمال و تندحر القيم.

تحت أي عنوان و خذ مثلا الكاميرة الخفية، كل شيء مفضوح و ظاهر للعيان و مكشوف حيث يتم الاتفاق مع المشاركين و الدفع لهم كي تظهر عليهم الدهشة و الحيرة و التفاعل مع المفاجأة… في مشهد مثير للشفقة يتسابق الناس للظهور في احد هذه البرامج التي تلقى نسبة مشاهدة عالية، و بذلك يشقون طريقا للشهرة و لو على حساب غباء المشاهد الذي يصدق أو يحاول أن يصدق مثل هذه المواقف السادجة.

فأصبحت هذه الصناعة الماجنة مجالا للاستثمار و التنافس و استعراض المؤهلات و الخدمات، و ميدانا للتفنن في صناعة التفاهة و السخرية و الاستهزاء بمشاعر الأخرين، ناهيك عن التلاعب بالرأي العام و توجيهه لصالح أجندات سياسية و مصالح اقتصاية رخيصة تباع لشركات مقابل مبالغ طائلة.

فتناسلت شبكات و قنوات بعلامات تجارية تتصارع حول الفوز بعقود حكرية لبرامج بعينها تنجز بمعايير خاصة و خلال فترات محددة يكثر فيها الطلب على مثل هذه السخافات.

لكل هذا و غيره فقد أصبحت منظومة القيم في خبر كان، حيث تثبت الهوية و الثقافة و الحضارة أصالتها و عمقعا في الكيان و الوجود الفردي و الجماعي، ليصبح الانسلاخ و التفسخ سمة آخرالزمان و موضة عصرية بعلامات تجارية عالمية يسود فيها الاتباع و التقليد، فيصبح معها الإنسان آلة استهلاك بإمتياز.

و تسعى أجهزة الدعاية الرخيصة هذه لتسويق أنموذج جاهز مفصل سلفا، الهدف منه القضاء على التعدد و التنوع و الغنى الثقافي، و السير نحو تعليب البشرية و تنميطها على شكل واحد يسهل عليهم عملية السيطرة و التحكم في رغباته و آماله و تطلعاته و جعله رهينة الاقتراض و الاستهلاك و الاستهلاك المتزايد الذي يفضل عن الحاجة.

و بعد ذلك إدخاله مرحلة الافلاس التام بشكل تدريجي ليسهل على الشركات المالية المقرضة فرض شروطها، و رفع نسب الفائدة إلى مستويات فاحشة، و من تمة الولوج إلى التحكم في السياسات العمومية للدول و رهن مستقبلها مقابل حفنة من الدولارات تسلمها في شكل قروض.

إذن من يحمي هذه التفاهات التي تستثمر الملايين و تربح المليارات؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

سعيد لكراين

باحث في العلوم الشرعية, تمهيدي ماجستير شريعة معمق, ماستر دراسات اسلامية, اجازة شريعة و قانون, كاتب حر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى