مدونات

عادات المجتمعات المنبوذة

هل هُناك اختلافٌ بين صنبورٍ في مرحاضٍ ومَثِيله في المطبخ؟ بالطبعِ لا، فكلاهما يضُخان مياهً نظيفةً ونقيةِ، وإن لم تَكُن مياه صنبور المرحاض كذلك، لَما كُنا نتوضأ بها لأن طُهورية الماء شرطٌ أساسيٌّ للوضوء، ومع ذلك فطبيعة البشر الغريبة تجعلهم ينفرون ويجمحون متباعدين عنها مثلًا: تقززهم من الشُّربِ من صنبورٍ بمرحاضٍ وتفضيل أي مصدرٍ غيره، ولكن دَعنا من هذا المثال البسيط، هيا نرتقي بمثالٍ أدق وضوحًا، فسيح المدى ورحيب الأطراف وهو البشرُ نفسهم: في زمننا هذا هناك العديدُ من الناس والعائلاتِ التي يجب عليها أن تُرشد أبناءها للطريقِ السديد والصائب من الأخلاق، وللأسف نتيجة تَعثر آباء وأمهات تلك العائلات نفسها في توجيههم أيضًا، أنجبوا جيلًا مملوءًا بهوامشٍ فاسدة تُدعى «التنمُّر والعُنصرية»، فإن رأوا طفلًا أسودَ اللونِ، يسخرون منه ويصبح مادةً للاستهزاء والمَهانة والإذلال، أما إن كان أبيضًا مثلًا، فأهلًا وسهلًا بك يا صديقي، وتارةً يقولون مُستخفين به «أيها السمين»، وأُخرى تليها «يالك من نحيفٍ، هل يأكلون طعامك أم ماذا؟»، حتى يكبُر هذا الطفل بقلبٍ مُتسِّخ شُحِنَ بالدنَاسة، يُلقي إهاناته لهذا وذاك بعدم اهتمام لهؤلاء الضحايا الصرعى في مَعْمَعة التنمُّر الفتَّاكة للنفسِ، فيمسون مشوهين نفسيًّا مِن قِبَل تلك الفئة المُتنمِّرة من الناس، وحينها يُخيَّرون بين اثنينِ: الأول هو استكمال حياتهم بمشقةٍ وكدٍّ وعناءٍ نفسيٍّ وجسدي، فالبعض لا يتنمر قولًا فقط، بل يصلُ إلى الضرب والسبِّ والإيذاء، والثاني وهو الانتحار ظنًّا أن بذلك سينتهي الألمُ.

لذا أُهدي حديثي للجميعِ، وخصوصًا لأولياء الأمور الموجوب عليهم تربية أولادهم تربيةً صحيحةً سَويَّة: قال الله عزَّ وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، وقال الرسول صلى الله عليه وسلَّم: {المُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكَاتِهِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيَقْعُدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ}.

•طرق علاج التنمُّر والتعامل معه:

أولًا: على الأهالي الانتباه لأبنائهم جيدًا، وفي حالة ملاحظة خللٍ أو مشكلةٍ لدى الطفل فليسألوه عن السبب، وعِند التأكد من أنه تعرَّض للتنمُّر يجب الإصغاء إليه، ووضعه في محلِّ اهتمامٍ مبالغ، واحترام مشاعره والتعامل معها بلطف، ومن ثم توجههم للتحدث مع أهل المُتنمِّر وتوعيتهم، أو التحدث مع المسؤولين للوصول لحلٍّ للمشكلة.

ثانيًا: نشر التوعية والجلسات الإرشادية والإعلانات الهامة في المدارس، وعلى المعلمين أن ينشروا ما يخصُّ التنمر باستفاضة، وكذلك نشره على برامج التواصل الاجتماعي كي يصل لكُلٍّ من الآباء والأبناء، وبالطبع توضيحه دينيًّا.

ثالثًا: تقوية الثقة بالنفس لدى الطفل، وجعله يُدرك قيمة نفسه حتى يُصبح راسخًا لا يؤثر عليه آراء الآخرين.

رابعًا: إن تطورت حالة الطفل للأسوأ، يجب عليه الذهاب لطبيبٍ نفسيٍّ ليُعالِج الخلل والثَغر الذي حَصل له.

في النهاية: أنت لست وحيدًا، كُلنا بجانبك ونُحبك، قال الله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}. [التين:4].

لذا كُلنا أسوياء، لا يختلف أبيضٌ عن أسودٍ، ولا سمينٌ عن نحيفٍ، ولا رجلٌ عن امرأةٍ، ولكن ما يُميُّز الشخصَ عن الآخر هو أخلاقه.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

جنة أبوالنيل

أكتبُ مقالاتٍ عساها تراها هادفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى