مدونات

ظلُّ الأفاعي

بالأمس القريب، وعلى صفحة من صفحات التواصل الإجتماعي المهتمة بالأدب، تم نشر لوحة فنية لفتاة تخرج من باطن الأرض في نفق إلى أعلى، وتنتظرها في أعلى المخرج في ظلام دامس، عيون متربصة بلا أوجه، وأوجه ترتدي الأقنعة.. تتساءل من قامت بنشر اللوحة عن المعنى المُراد من الصورة.

في غضون دقائق انهالت التفسيرات على اللوحة، في نفس الوقت الذي كنت أحاول صياغة رؤيتي عنها والتي كان فحواها الآتي:

« سوف تعيش عمرا، غارقا في معاناتك، لا تقدر على مواجهة العالم في الخارج بقلب سليم. أنت لا تحب ارتداء الأقنعة، ولا النفاق الإجتماعي.
تمر الأعوام وتشعر أنك تُستنفذ روحيا وجسديا، تقل كلماتك، تمر أيام لاترى قدماك الطريق، تعتزل الناس وتتقوقع في بيتك، ثم غرفتك، ثم سريرك.
الكون أصبح يضيق شيئا فشيئا، حتى أصبح الكون كله في شاشة هاتفك.

تعد ساعات النهار، تتمنى أن ترحل الشمس ليأتي الليل، لتلتحف به وتنزوي روحك في زاوية ظلمته، بعيدا عن الناس.
تمر الأعوام وتقسو روحك على أقرب الناس إليك، ثم تقسو على نفسك حتى تتآكل ملائكيتها شيئا فشيئا، تكره ما كانت عليه من قبل من نقاء وشفافية.
تقرر الخروج للعالم الذي يستعد لأكل ما تبقى من روحك، ولكنك قد وضعت خطة؛ أنك ستكون بعدها الصياد وليس الفريسة، سترتدي ألف قناع وتسير بألف وجه.
بل ستقسو أيما قسوة على من تجده يشبه روحك الفانية”.

كان هذا ما جال بخاطري فأخرجته في كلمات وضعتها في تعليق.. ولكن المدهش في الأمر أن السواد الأعظم من التعليقات كانت تسير في هذا الاتجاه، اتجاه الذهاب إلى العالم الافتراضي والانغماس فيه لمجابهة ما تتم ملاقاته في العالم الواقعي، من زيف وعدم إنسانية وضغوطات ووحشة.

كنت سعيدا بهذا التطابق الكلي الذي يُشعر بالألفة، حتى تداركت نفسي قائلا:
ومن يتواجد من المعلقين إلا من يتواجدون أيضا في الواقع!
ربما كتب شخص ما، يوما ما، أنه يفضل شاشة هاتفه على العالم بأسره، لأنني قابلته في هذا اليوم وقد جعلته يمر بيوم سيء، بقصد أو دون قصد.

أنا أكتب وغيري يكتب عن مدى قسوة العالم في الخارج، وياليته كان مثل ما نعيشه في عالمنا الإفتراضي. نكتب عن وحوش الخارج وتناسينا أنها نحن؛ نعم إنها نحن من فقدنا فطرة التواصل فيما بيننا ففقدنا بوصلة الحياة الحقيقية، وعوضا عن ذلك قمنا بخلق حياة زائفة تكون بمثابة « الأفيون » الذي يمدنا بالنشوة اللحظية، ظنا منا أنه يكمن فيه النشوة الحقيقية ذاتها.

كم كانت تلك الصورة كالمرآة التي وجدت فيها نفسي عاريا أمام عقلي، أرتدي قناعا وورائي معلق المئات من الأقنعة، ومساحيق التجميل -من كلمات مداهنة منمقة وصور جذابة خادعة وكذب يلبس ثوب الحقيقة وأحلام ليست لي- اليومية التي أضعها على جسدي وتأباها روحي التي على الفطرة، سواء أكان بقصد أو دون قصد، تماشيا مع طاحونة المجتمع.

أيها السيدات والسادة:
ربما كانت جنة التواصل الإجتماعي ليست بجنة، إنما كانت مستراحا وظلا للأفاعي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

السيد إبراهيم

كاتب شاب، يبحث عن تشكيل الهواية في قالب احترافي، مع الإحتفاظ بالروح التلقائية الغجرية لخيال القاص.. آملا في فتح أفق جديد من الخيال في الرواية العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى