سياسة وتاريخ

الاتفاق الليبي لوقف إطلاق النار.. ظاهره رحمة و باطنه عذاب!

أعلن وزير خارجية روسيا “سيرجي لافروف” ونظيره التركي “مولود جاويش أوغلو” في الثالث عشر من الشهر الجاري خلال مؤتمرٍ صحفي مشترك عقد بينهما في موسكو، عن توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا من جانب حكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، في حين امتنع “خليفة حفتر” قائد الثورة المضادة، والذي يزعم قيادته للجيش الوطني الليبي المعترف به دولياً عن طلبه مهلةً قبل التوقيع.

جاء اقتراح الاتفاق خلال اجتماع “فلاديمير بوتين” و”رجب طيب أردوغان” في أنقرة لافتتاح خط غاز السيل التركي، الذي سينقل الغاز من روسيا إلى أوروبا عبر الأراضي التركية في الثامن من يناير الجاري، بعدما اتفق الحليفان على وجوب إيجاد حلٍ سياسيٍ للوضع الليبي المتأزم منذ أبريل 2019، معتبرين أن الحل العسكري غير مجدٍ.

سبق هذا الاتفاق ارتكاب قوات حفتر مجزرة مروعة في الكلية العسكرية بطرابلس، نفذتها طائرة إماراتية مسيرة، أسفرت عن سقوط نحو ثلاثين شهيداً من ضباط الجيش الليبي الشرعي المستقبليين، علاوة على سقوط بوابة العاصمة طرابلس الشرقية في الخامس من يناير، بعدما فضلت قوات الحكومة الشرعية الانسحاب بالرغم من إمكانية صمودها لأسبوعين في وجه عدوان حفتر ومن يقفون وراءه، لكنها فضلت تجنيب المدنيين خسائر فادحةً، أو زيادةِ عدد المهاجرين من الليبيين المغلوبين على أمرهم.

نص الاتفاق على سريان وقف إطلاق النار بين قوات حفتر وجيش الحكومة الشرعية مع انتصاف ليل الثاني عشر من يناير 2020، وبالرغم من رفض حفتر الرضوخ، إلا أنه استسلم للأمر الواقع في نهاية المطاف، وتم إرسال قوات تركية للإشراف على تنفيذ الاتفاق، وتحديد مواقع التماس بين الطرفين المتقاتلين لكن ذلك لم يرضِ حفتر، وقد نال اللواء الليبي الانقلابي نصيبه من التقريع والوعيد من الرئيس التركي الذي شدد على أن بلاده لن تسمح لحفتر بتجاوز الاتفاق وإعادة الأمور لنقطة الصفر، خاصة مع إعلان الدولة التركية أنها ستحضر مؤتمر برلين الذي سيعقد حول القضية الليبية في التاسع عشر من الشهر الحالي، وتعتبر اتفاق موسكو ورقةً هامةً بيدها للحفاظ على مصالحها في ليبيا.

لكن بعدما طلب حفتر مهلةً ليوقع بعدها على الاتفاق، فجر اللواء السابق بنظام القذافي مفاجأةً من العيار الثقيل، بإعلانه رفض توقيع الاتفاق والعودة لبنغازي، واشترط تسليم فصائل الجيش الليبي التابعة لحكومة الوفاق التي نعتها بالجماعات الإرهابية لأسلحتها، رافضاً كذلك إشراف تركيا على تنفيذ وقف إطلاق النار، وعزف كحليفه المصري عبد الفتاح السيسي على نغمة محاربة الإرهاب، التي طالب بإسنادها لقواته الانقلابية ليعيد الأمور للمربع الأول بتصريحاته تلك، وإن لم يشن معركة جديدة بعد.

موقف حفتر لا يمثل رأيه الشخصي بكل تأكيد، بل هو انعكاس لآراء داعميه في مصر والإمارات وفرنسا وإن أظهرت باريس ترحيباً في العلن بإبرامه، فنظام السيسي العسكري يريد نظاماً على شاكلته؛ لأن قيام نظام ديمقراطي مدني في ليبيا المجاورة لمصر بعد الثالث من يوليو 2013، معناه إشعال جذوة ثورة عارمة لن تبقي في نظام الجنرالات ولا تذر، كما أن عين السيسي على نفط الشرق الليبي.

أما نظام الثورات المضادة في الإمارات، فيعتبر حرب حفتر معركة بالوكالة بينه وبين الإسلام السياسي في العالم العربي خاصة، وفي كل أنحاء العالم بوجهٍ عام؛ لتثبيت حكم آل نهيان الاستبدادي حتى لا يجدوا أنفسهم بعد سكن القصور سكاناً للسجون أو معلقين على أعمدة المشانق.

أما فرنسا فهي طامعة في الاستيلاء على احتياطيات النفط الهائلة في ليبيا، كفاتورة مؤجلة الدفع منذ 2011، حين كانت باريس السبب الرئيسي في إقناع الولايات المتحدة ومجلس الأمن بضرورة التدخل العسكري للتخلص من معمر القذافي، وبالرغم من ذلك تجد أمريكا ومصر وإيطاليا -المحتل السابق لليبيا- يتصارعون على الكعكة النفطية، بينما تعود باريس خالية الوفاض بعد كل ما قدمته لحفتر من دعمٍ تسليحيٍ وخبراء عسكريين.

الحل السياسي كلمة مطاطة يصورها ضباع العالم وحكام الأنظمة المستبدة على أنها الحل السحري لإعادة الاستقرار المفقود في بلدان الربيع العربي التي خربوها بثوراتهم المضادة، لكنهم يهدفون من ورائه لإنتاج أنظمة استبدادية تعيد الشعوب إلى حظيرة الخنوع والمهانة لكن خاب مسعاهم، فالليبيون وإن قبلوا باتفاق مع حفتر، إلا أن أيديهم ما زالت على الزناد بعدما أدركوا أن الحق الذي لا تحميه قوة ضائع لا محالة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019
زر الذهاب إلى الأعلى