ثقافة وفنون

طه حسين.. شذرات من حياته وإرثه الأدبي

أكاد أجزم أنه لم تحظ شخصية في العصر الحديث بمثل هذا الكم الهائل من الجدل والاختلاف حولها مثل شخصية طه  حسين، بعضهم ذهب بالرجل إلي أعلى عليين ومنهم من سفه كل أعماله ونزل به إلى أسفل سافلين. هذا المقال هو محاولة بسيطة لإلحاق الرجل بمكانته من خلال التحليل والنقد البسيط لبعض أعماله ومواقفه. بيد أن هناك اشكالية أكبر فعندما نخضع شخصية مثل طه حسين للنقد والتحليل فأي طه حسين نقصد؟ هل نقصد طه حسين القصاص، كاتب دعاء الكروان وغيرها، أم تقصد طه حسين المؤرخ الإسلامي الذي كتب عن الفتنة الكبرى وعن علي وبنوه؟ أم هل ياترى نقصد طه حسين الناقد الادبي الكبير؟ أم أننا تقصد طه حسين المفكر أم طه حسين، المعلم، وصاحب النظرية الواضحة في التعليم والتي أوضحها جلية في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” ؟

إن كاتبا من نوعية طه حسين يجبرك أن تقف أمامه كثيرا، رغما عنك، فهو الكاتب الموسوعي الذي كتب تقريبا في كل شيئ.

خرج طه حسين من بلدته الصعيدية الصغيرة متشبعا بعلوم الازهر، درس الأدب والفقه على أصوله وفي أمهات الكتب القديمة و المجلدات الضخمة التي كان يدرسها الازهر.

خرج طه حسين من عباءة الازهر الاصولية ليصطدم بالثقافة الفرنسية في باريس إثر حصوله على بعثة هناك. اصطدم طه حسين بالحرية والشك الديكارتي والحياة المسرفة في الملذات. وجد نفسه وسط مجتمع يعرض كل شئ وأي شئ للنقد. بدلا من بيئة صعيدية عبر عنها بوضوح في روايته ” شجرة البؤس” بيئة تؤمن بالغيبيات العليا فيها شيخ الطريقة وأتباعه يحتلون المكانة الكبيرة وجد نفسه وسط بيئة علمانية مسرفة في التحرر ومنهجها هو الشك.

هذا اللقاء قديم ومعروف، لقاء المثقف الشرقي بالحضارة الغربية، اللقاء الذي اهتم به معظم أدباؤنا الذين أتيحت لهم زيارة الغرب على غرار كاتبنا الكبير حسين فوزي وكتابه “سندباد مصري”.

إن هذه التجربة هي أكثر تجارب المثقفين إتساعا في نفوسهم وهي بالنسبة لطه حسين تجربة حياته ولهذا كان فهم طه حسين للبيئة الجديدة فهما مقارنا دائما بين البيئة الجديدة و القديمة. هذه التجربة الفكرية هي غالبا موضوع رواية” أديب” لطه حسين التي لا أستبعد أنه كان يتكلم عن نفسه فيها فهو الشاب _حسب الرواية _ الذي طلق إمرأته لكي يحصل على البعثة إلى فرنسا والتي كان من شروطها أن يكون الدارس غير متزوج. ضحى بزواجه من أجل إن يتعرف على هذه الحياة الجديدة ، ثم مالبث أن إنخرط في هذا المجتمع الجديد بروحه وجسده، أخذ ينهل من علومه وأنغمس في لهوه ،ذاب في هذا المجتمع لدرجة أنه تطوع في الجيش للدفاع عن باريس ضد الألمان أثناء الحرب ولكن مع كل هذه التضحيات لم يتقبله هذا المجتمع على أنه فرد منه.

نهل طه حسين من هذا النبع الجديد الذي يراه لأول مرة والذي لم يعرف بوجوده من قبل. تشرب علومهم، تأثر بها ثم عاد طه محملا بكل هذا العلم محاولا أن يفيد ويجدد مجتمع غارق في الجهل والتخلف والمعاداة لكل ماهو جديد.

وقبل أن أستطرد، أستدعي هنا مقولة الشاعر الإنجليزي اليوت عندما قال ” إن من المرغوب فيه أن يظهر من آن لأخر، كل مائة عام أو نحوها، ناقد جديد يعيد عرض أدب الماضي ويضع ترتيبا جديدا للشعر فلا تكون آراؤه ترديدا ببغاويا لآراء من سبقوه من النقاد، بل يستطيع أن يربط بين فن الماضي وفن الحاضر. إن هذا الناقد أجدى على الأدب من كثير من الفنانين ” انتهى هنا كلام اليوت وأكاد أجزم إنه لا يكاد ينطبق هذا الكلام على أحد من أدباؤنا مثل طه حسين. كانت كل اسهامات طه حسين بمثابة مفاجآت للمجتمع، مفاجأة في الادب وأخرى في التاريخ وثالثة في الشعر و رابعة في الدين، كل هذه المفاجآت وسط مجتمع لم يعتد على مثل هذا الإسلوب في العرض والطرح، مجتمع لم يعرف إسلوب الشك والنقد، فضلا عن أصول البحث العلمي وإخضاع النصوص سواء الشعر أو الأدب أو حتى المادة التاريخية للشك والنقد والبحث العلمي، ولعل هذا سبب إشكالية كتابه ” في الشعر الجاهلي” الذي انتحى فيه المنهج العلمي في التحليل والشك والنقد، قبل أن يعدل مافيه ويعيد نشره باسم ” في الأدب الجاهلي”.

نعود إلى سؤالنا الأول: لماذا طه حسين أو بالأحرى ماهو سبب تميزه؟
عندما تنظر الى موباسان ككاتب للقصة القصة لن تجده أعظم من كتب القصة القصيرة لكنه من جعل القصة القصيرة فنا أدبيا واضحا له معالم وأصول، جاء بعده الأدباء الذين نستطيع أن نقول عنهم هم أعظم من كتب القصة القصيرة. مثل هذا ينطبق على طه حسين، لم يعرف الأدب العربي القصة القصيرة بشكلها الحديث إلا عن طريق طه حسين، جاء بعده من كتب أفضل منه ومن تفوق عليه في كتابة القصة مثل الكاتب الكبير هيكل ولكن الفضل دائما سيرجع لطه حسين لإدخاله هذا الفن الأدبي للعربية.

طه حسين والأدب العربي
درس طه حسين في الأزهر واستطاعت أن يتصل بالمنابع الأدبية لتراثنا القديم ثم خرج إلى الثقافة الغربية واتصل باليونان والفرنسيين ليكتشف أن هناك لون آخر من الإحساس و الجمال الأدبي. لم يكن لشخصية أخرى غير طه حسين تتصف بالجرأة و الشجاعة لتقوم على دراسة الادب بجرأة لا يشوبها التهوين أو الخوف ، إذ أن الأدب واللغة العربية قد إستمدا قداسة واضحة في أذهان المشايخ والعامة لصلتهما بالقرآن الكريم لدرجة أن بعضهم ظن أن التعرض لنقد الأدب ورموزه هو تعرض وهجوم على الدين. إنتقد طه حسين كبار شعراء العصر العباسي وشك في الشعر الجاهلي وأنتقل من هذا الشك إلى مناقشة وضع العرب قبل البعثة النبوية وقبائلهم وديانتهم ، وكانت من نتاج هذا الشك أن تغيرت صورة التراث العربي في أذهان الناس لا أبالغ إن قلت تغيرا تاما. أيضا ارتفعت صور شعراء في أدبنا العربي بسبب دراسة طه حسين أمثال أبو العلا والمتنبي وابو نواس. ذلك هو طه حسين مؤرخ الأدب.

أما طه حسين المؤرخ فيكفيه أنه كتب في التاريخ الإسلامي كتابي “الفتنة الكبرى” عن عثمان في الجزء الأول وعن “علي وبنوه” في جزئه الثاني، متتبعا الملامح الاقتصادية و الاجتماعية للأشخاص والعصر نفسه. استطاع طه حسين في كتابه “عثمان” أن يربط جميع الاحداث التاريخية والتي كانت تبدو كأنها مصادفات أو خبطات قدر احمق ، جعل طه حسين هذه المتناثرات التاريخية مسرحية تاريخية عظيمة .

أخيرا وليس آخرا هناك طه حسين صاحب النظرية في التعليم و الثقافة..

نظريته في التعليم والثقافة
فهو أول من نادى بمجانية التعليم وأنه حق للكل كالماء والهواء.على الرغم من أن نظريته لم تتحقق في التعليم بكاملها ومن الممكن أنه أدرك صعوبة تحققها حتى أنه لم يكن حريصا على تجديد طبع كتابه “مستقبل الثقافة في مصر”.

ولنلقي هنا نظرة عابرة على ما أورده طه حسين في هذه النظرية خطيرة في كتابه، حيث حاول أن يثبت أن مصر ليست جزءا من الشرق القديم بل هي جزء من حوض البحر الأبيض المتوسط ،أي إنها أقرب إلى اليونان وإيطاليا منها إلى البلاد الشرقية البعيدة كالهند والصين وفارس. كانت رغبة طه حسين إلى تغيير المواطنين إلى أنفسهم وحياتهم هي ما دفعه ألى ذلك وأيضا دفعه إلى القول بأن تأخذ مصر كل مظاهر التقدم والحضارية وهي الدعوة التي سبقها إليه لطفي السيد والتي لم تثمر وقتها إلا بين المثقفين. وكان مما دعا إليه أيضا في كتابه هذا ، العناية بتدريس اللغتين اليونانية واللاتينية ولننظر لهذا الإقتباس من كتابه ” وأنا مع ذلك مؤمن أشد الإيمان وأعمقه ،وأقول بأن مصر لن تظفر بالتعليم الجامعي الصحيح ، ولن تفلح في تطوير مرافقها الثقافية الهامة إلا إذا عنيا بهاتين اللغتين (اليونانيةواللاتينية) لا في الجامعة وحدها ،بل في التعليم العام قبل كل شئ.”

قد يكون لنظرة طه حسين تلك بعض العذر فالدول والقوميات الان لا تقوم على الدين والمجتمع أنذاك كان بحاجة إلى مثل تلك الصفعة. عندما نخضع آراؤه تلك للبحث لن نوافق عليها لأننا لو انسقنا وراءها لفقدنا الآن طابعنا القومي والعربي ولكن كما قلت إن نظرية الرجل كانت من منطلق حرصه على وطنه وعلى مواطنيه. أراد لهم ألا يتخلفوا عن ركب الحضارة التي كانوا بالفعل مختلفين عنها وقتها.

إن شخصية مثل طه حسين تستحق أن تقف عندها بكثير من المتأمل و الدراسة. ليست دراسة آراؤه فقط ولكن دراسة ملامح العصر الذي خرج فيه وعليه طه حسين بكل هذه الآراء. وختاما لا نستطيع إلا أن نقول إن طه حسين هو أستاذنا العظيم والكاتب الموسوعي والمجدد للأدب والتاريخ في عصرنا الحديث.

Mahmoud_Abdelfattah

مهتم بالاداب والفنون والتاريخ الاسلامي
زر الذهاب إلى الأعلى