سياسة وتاريخ

طفح الكيل.. كيف ترد تركيا على هجوم حفتر ضد قواتها في ليبيا؟

بعد أن فاض الكيل بنا من الحالة السورية وضبابية الرؤية وتفتت المجتمع هناك والحرب الأهلية وصراع القوي العالمية، تبين أنه لا فائز ولا مهزوم وإنما تتجلى الحقيقة الدامغة على مرأى ومسمع الجميع ألا وهي ضياع الشعب السوري الشقيق، ومن ثم محو الحضارة والتراث من على هذه الأرض الطيبة، لتظهر على الأفق الآن الأزمة الليبية المتجددة.

وتقع بلاد أحفاد المجاهد عمر المختار قاهر الاستعمار الإيطالي، في مستنقع الخيانة. ونقل القوى العالمية ملعبهم من سوريا بعد تدميرها عن آخرها وتحقيق أهدافهم، ها هم ينقلوا حلبة الصراع إلى ليبيا الحبيبة، وكأن العالم أصبح متلذذًا بعذاب شعوب منطقتنا العربية وجعلها مسرحًا للخراب والدمار. وما أن ينتهي من دولة ويتم القضاء عليها حتى يبدأ سعيه الحثيث للنيل من الدولة الثانية وكأنها دائرة لن تنتهي من دورانها.

في حقبة العقيد معمر القذافي الرئيس الليبي الراحل، كان من المفترض أن تتبوأ ليبيا مكانة أفضل وأن تصبح من الدول المتقدمة اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا نتيجة موقعها الجعرافي المميز المطل على البحر المتوسط والغنية بالمواد البترولية والغازية والثروات المعدنية، ولكن توقفت عجلة التنمية مما شكل الأزمة الليبية بجانب ذهاب قياداتها إلى طريق آخر خارجيًا سواء بدعم دول أخرى بداعي العظمة والكبرياء أو بداعي فرض القرار أو هدر أموال الليبيين خارجيًا وأوروبيًا للتأييد ودفع تكاليف الحملات الانتخابية للمرشحين، وأهمل الشعب، وحكم بالقوة، وغابت الحرية والآراء البناءة، وزاد حب السلطة ومحاولة توريثها، والتفريق بين شعبها القبلي في حصص التنمية.

وسواء من اتفق مع القذافي أو اختلف معه، أتت ثورة عارمة من جموع الشعب أدت إلى تحريره من هذا الحكم ولم يسمع القذافي لأصوات هؤلاء. وأراد تدميرهم وقتلهم بالقوة العسكرية؛ وهنا تدخلت القوى الاستعمارية الكبرى بقيادة أمريكا وفرنسا وإنجلترا وجاءوا بجيش جرار من المقاتلات والأسلحة الجوية والسفن الحربية لمساندة المعارضة والشعب على الأرض خلال الأزمةالليبية وأبادوا القوات العسكرية للقذافي وتم سقوط النظام وقتل القذافي نفسه في مشهد مؤذي للنفس.

بعد حقبة القذافي توسمنا الخير والسلام أن يعم أخيرًا الأزمة الليبية وبعد صراع النعرات والقبلية العصبية للشعب الليبي تم تشكيل حكومة وطنية بوزراء من كل التيارات السياسية وبرلمان شعبي منتخب وجيش وطني وبدأت الميشليات التي ساعدت في سقوط القذافي تسلم أسلحتها، ووقف الغرب ينتظر الموقف ومنع تصدير كافة الأسلحة حتى عندما يأتوا لدخلوها لا يوجد ما يعرقلهم.

استمر ذلك الوضع حتى دبت الخلافات بين الحكومة وقائد الجيش وبدأ الصراع وانقسمت ليبيا إلى شطرين؛ غربي بما فيه العاصمة طرابلس بحكومته المؤيدة عالميًا برئاسة فايز السراج، وغرباً في بني غازي بقيادة المشير خليفة حفتر قائد قوات غرب ليبيا وبعض الدول المؤيدة أيضًا.

وبعدما اشتدت فجوة الصراع تدخل مجلس الأمن واجتمع مع الجانبين، ومن بعده انعقد مؤتمر برلين لتقاسم السلطة وبدء عملية سياسية كاملة، ثم مؤتمر الصخيرات في المغرب والتوقيع على مبادئ الاتفاق الذي عُرف لاحقًا باسم “اتفاق الصخيرات”، وفي كل مرة يتقابل الجانبان ويتفقون على الحل وعندها يذهبون أدراجهم يتجدد الصراع والحرب بينهما بتغذية المؤيدين للطرفين بالماء والعتاد والسلاح.

وزادت الأزمة الليبية الآن تعقيدًا بعد أن كانت قوات الجيش الليبي على مقربة من دخول طرابلس حتى استغاثت حكومة الوفاق المسيطرة هناك بتركيا، التي لبت النداء ووجدت السبب في اقتسام ثروات ليبيا النفطية والغاز المهول في البحر المتوسط بسبب فقر هذه الموارد عندها، وأقامت مع حكومة الوفاق الاتفاقيات العسكرية وشاركت بقوات على الأرض كما فعلت في العراق وسوريا؛ ومن أجل ذلك تحوم الشكوك حول تركيا وأهدافها المخفية.

ومن جانبه، وقف المجتمع الدولي ليتفرج على المشهد من بعيد. وقالوا إن الليبيين أولى بإدارة شؤونهم بأنفسهم.

وتعتبر تركيا قوة عسكرية فعندما وطأت قدماها ليبيا مُنيّ المشير حفتر بهزائم متتالية ورجع بقواته إلى خط سرت الجفرة، والذي يعد المخزون الرئيسي من البترول الليبي، ولكن من يقف وراء تركيا وأين أمريكا وروسيا وحلف الناتو ودورهم، فأوقات يساندون الجانب الشرقي وأوقات أخرى يساندون الجانب الغربي، وكل ذلك بما لا يدع مجالًا للشك أنه سبب قلقًا بالغًا لمصر وحدودها الغربية.

وهددت القاهرة بالدخول في الحرب لو تعرض أمنها القومي للخطر جراء تصاعد الأزمة الليبية وهي الأولي والأجدر بحل قضية ليبيا مع الدول العربية ومحاولة فك طلاسمها. ولماذا وقفت كالمتفرج على الأحداث حتى الآن وتركت المجال لكل هذه القوى أن تبعث بأمن ليبيا وقادرة مصر بقواتها المسلحة القوية على صد كل محاولات التقسيم ببروابط الأخوة والدم والعمق الاستراتيجي وقطع خطوط الإمتداد لتمزيق الوطن العربي والإسلامي.

وتتسارع الأحداث ويُحمى وطيسها ويقذف الجيش الليبي بقيادة حفتر قاعدة الوطية في غرب ليبيا والتي تحتوي على منظومة صواريخ ورادارات تركية ومقاتلات.

وتهدد تركيا على إثر هجوم حفتر، برد قاس على ذلك. فما الذي سيحدث دعونا نرى كيف تسير اللعبة في بلد شقيق ذاق شعبها الأمرين في الماضي والحاضر الآن ما زال ينزف.

ونقولها بصوت عال لكل من تسول له نفسه احتلال ليبيا؛ لم ولن تستطيع أن تمكث طويلًا فالشعب الليبي تربى على القبلّية والعصبة والحرية وعصيّ على الترويض ولا يقبل بالهوان ويقاوم حتى آخر قطرة من دمه. وسترى القوة الغاشمة مصيراً أسودًا في ليبيا بإذن الله.

اقرأ أيضا: حرب مصر وتركيا… المواجهة الوشيكة بعد نشر تركيا لراجمات الصواريخ

اقرأ أيضًا: الصراع التركي الروسي في ليبيا.. هل تكون سرت مقبرة أردوغان؟

اقرأ أيضًا: أهدافها ليست سلمية.. بكين تواصل الزحف نحو إفريقيا وليبيا أولًا

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق