سياسة وتاريخ

«طرابلس خط أحمر».. الجزائر تتخلى عن الحياد تجاه النزاع الليبي

بعدما تبين تدخل العديد من الدول في إثارة الفوضى والحرب الأهلية في ليبيا بين حكومة الوفاق والجيش الليبي، فكل من الإمارات العربية والسعودية ومصر وفرنسا وحتى مرتزقة من روسيا تدعم الجنرال خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، الذي هدد في عدة مرات دخول الجزائر واحتلالها، بعدما تم دعمه بالمال والسلاح ومجموعة “الفاغنر” من روسيا و”الجنجويد” من السودان والتشاد، والسلاح القادم عبر مصر والمخابرات الفرنسية المستنزفة للنفط الليبي.

وبعد دخول تركيا بكل قوة خاصة الطيران المسير بدون طيار الذي غير موازين القوى وأعطى الغلبة لقوات حكومة الوفاق الوطني الشرعية، حيث أعلنت القوة التركية المشاركة مع جيش الوفاق بعد هزيمة حفتر واسترجاع القاعدة الجوية “الوطية” عن اكتشاف ملفات استخباراتية جزء منها خاص بتونس والجزائر، مما يعني وجود مخطط من طرف فرنسا أساسًا لاستهداف أمن ومصالح الجزائر عن طريق ليبيا.

اليوم، كل المؤيدين والداعمين لحفتر يدعون ويطالبون بوقف العمليات العسكرية والرجوع إلى طاولة المفاوضات مع حفتر الذي استعان بالمرتزقة لقتل شعبه وهو اليوم مطلوب في قضايا جرائم حرب بعد اكتشاف مقابر جماعية لمدنين، قصد وقف مسلسل الانتصارات الكبيرة والسريعة من طرف حكومة الوفاق الوطني الشرعية بدعم كامل وتام من تركيا، قصد وقف إتمام السيطرة التامة عن كل المدن الليبية التي كان يسيطر عليها حفتر.

نلاحظ أيضًا، تحركًا فرنسيًا في كل الاتجاهات قصد ردع الدعم التركي في ليبيا تعدى الملاسنات بين ساسة البلدين إلى تصعيد أكبر ممكن أن يصل لخوض حرب بالوكالة مع تركيا فوق الأراضي الليبية، وقد حاولت فرنسا إدخال الناتو، وعند رفض هذا الأخير للتوجه الفرنسي أعلن الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون، أن “الناتو في حالة موت سريري” – ويقصد أنه أصبح ميتًا ولا دور له، وهو الآن تجمع الحشد والدعم ضد تركيا حيث دعم مصر بطائرات قتالية من نوع “رفال” وكل من الإمارات العربية والسعودية تدعم مصر بالمال والأسلحة الروسية قصد خوض حرب ضد تركيا فوق الأراضي الليبية.

من جهة ثانية، مرتزقة “فاغنر” تحاصر الموانئ النفطية وقامت بتلغيم المدن التي انسحبت منها تحت ضربات جيش حكومة الوفاق الشرعية، والآن تقوم مرتزقة حفتر – الموجود حاليًا بمصر والذي يشاع عنه أنه تم الاستغناء عن خدماته بعدما أصبح ورقة خاسرة وهو مجرم حرب مطلوب من طرف محكمة الجنائية الدولية – بإرغام الأهالي بالقوة قصد الخروج في مظاهرات بدعوة رفض حكومة الوفاق الوطني ومن يمتنع يكون مصيره القتل أو السجن، كما تقوم هذه المليشيات المرتزقة بمحاولة تسليح القبائل وشراء الذمم قصد إشعال حرب أهلية طاحنة لا تبقي ولا تذر.

كل ما تقدمنا به هو مجرد معلومات يعرفها الجميع، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، ما هو موقع الجزائر من كل ما يحدث؟ وما هي الإجراءات الواجب اتخاذها في الوقت الراهن؟

لقد عبرت القيادة الجزائرية بحسم عندما أعلن الرئيس عبد المجيد تبون، في قمة برلين بألمانيا، “أن طرابلس خط أحمر”، وكان المقصود أو الإيحاء من هذا التصريح أن الجزائر سوف تتدخل لمنع سقوط الدولة الليبية الممثلة في عاصمتها طرابلس، وقد كان لهذا الموقف الشجاع الأثر الكبير وكل الترحيب من عديد الدول على رأسها حكومة الوفاق الوطني الشرعية بقيادة فايز السراج.

بعد ذلك ومع وقوف الجزائر على مسافة واحدة مع كل الأطراف المتناحرة في ليبيا جعلت حكومة الوفاق الوطني تتجه نحو تركيا التي استغلت الفرصة وقدمت كل المساعدة العسكرية والاستخباراتية لحكومة الوفاق، بعدما أخذت الضوء الأخضر من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا ضمن صفقات بينهما مقابل الأعمال التي تقوم بها تركيا في سوريا وحماية مصالح البلدين روسيا والولايات المتحدة في المنطقة.

أصبحت تركيا الآن المسيطرة على القوة الحربية والعسكرية في جيش حكومة الوفاق الوطني الليبية وهي تريد تحقيق أهداف اقتصادية وتوسعية في المنطقة وتأمين الموانئ البحرية والاستكشاف عن النفط في البحر الأبيض المتوسط قبال السواحل الليبية.

الخطير في الأمر؛ هو توجه وزير الدفاع التركي إلى ليبيا والاتفاق مع حكومة السراج لتدريب وتنظيم الجيش الليبي – والمقصود هو إنشاء قواعد عسكرية لن يكون تركها مستقبلًا في القريب العاجل بل ستدوم ربما لعقود مما سيشكل خطر كبير على الأمن الإقليمي للمنطقة.

من جهة ثانية، جيش مصر يحشد قواته في الحدود الغربية ضد حكومة الوفاق – هذا الجيش الذي أخذ منحنًا خطيرًا من حيث التسلح من عدة دول أهمها الولايات المتحدة، روسيا، ألمانيا، فرنسا وتركيا. مما جعل خبراء إسرائيليون يتخوفون من قوة الجيش المصري في حالة غياب السيسي عن مصر باعتباره حليف استراتيجي لهم، ومدعم ماليًا من الإمارات العربية والسعودية واستخباراتيًا من فرنسا وبشريًا من مرتزقة “الجنجويد” ومرتزقة “الفاغنر” الروس.

وبوجود مشاكل كبيرة وخانقة واحتقان كبير في مصر ينتظر لحظة الانفجار؛ مشكلة الزيادات المتتالية والمستمرة في أسعار الكهرباء والغاز والبنزين والمواد الاستهلاكية، ارتفاع معدل البطالة خصوصًا بعد رجوع العديد من اليد العاملة المصرية التي كانت تعمل في دول الخليج العربي، ارتفاع قياسي لمستوى الفقر، جائحة كورونا التي خلطت كل الأوراق وأخرها مشكلة سد النهضة التي أقامته دولة إثيوبيا على مجرى سد النيل قصد إنتاج الكهرباء والذي سيسبب نقص كبير في كمية المياة الواصلة إلى مصر، حيث أعلنت حكومة أثيوبيا عن برنامج قريب للشروع في ملء السد خلال الشهر الحالي أو الشهر القادم على أقصى احتمال.

كل هذه العوامل ستكون حافزًا قويًا لدفع النظام المصري لخوض حرب بالوكالة عن الدول السابقة سالفة الذكر قصد توجيه الرأي العام ولو لفترة.

الآن ما هو الواجب القيام به من طرف الجزائر؟

إن قيام حرب في ليبيا سيكون مستنقع جديد ومرتعًا للإرهابين وسيشكل خطرًا حقيقيًا على أمن واستقرار الجزائر وسيستنزف الجيش الجزائري لحماية حدوده، لذلك فإننا نرى أنه يجب ما يلي:

  • إنشاء خلية أو قيادة عملياتية مع الحدود مع ليبيا توكل لها عملية مراقبة العمليات العسكرية والاستخباراتية داخل ليبيا.
  • تنصيب منظومات صاروخية مع الحدود الليبية باعتبار أن الجزائر قوة بالستية، والعبرة من هذا الإجراء ليس باستخدام هذه المنظومة، بقدر ما يمكن إرساله من رسائل إلى القوى المتنازعة في ليبيا عن وجود قوة جزائرية قادرة على ردع أي أعمال ضد الشرعية وكتوازن جهوي مقابل القوة المصرية في الجهة الشرقية لليبيا، التي صرح رئيسها صراحة أنه سوف يتدخل عسكريا في ليبيا.امتلاك القوة البالستية مثلها مثل امتلاك القوة النووية حيث امتلاكها وحده قادرة على ردع الدول المعادية دون استخدامها أصلًا، حيث لم يتم استخدام القوة النووية في أي حرب منذ الحرب العالمية الثانية 1945 إلا في هيروشيما ونكازاكي اليابانيتين.
  • إرسال وفد عسكري رفيع المستوى إلى حكومة الوفاق الوطني واقتراح تدريب وتكوين الجيش الليبي النظامي مع استقبال ضباط عسكريين في الأكاديميات والمدارس العسكرية الجزائرية.
  • بالإضافة إلى تكوين الشرطة الليبية نظرًا للخبرة الكبيرة لشرطتنا الجزائرية وأيضًا قوات الدفاع المدني (الحماية المدنية)، وهذا لسحب البساط من تحت أرجل تركيا التي تستغل هذه النقطة “تكوين وتدريب الجيش الليبي” كما ذكرنا سابقًا لإنشاء قواعد عسكرية تركيا في ليبيا.
  • إعلان طرابلس منطقة ممنوعة من طرف الطيران العسكري.
  • الدعوة إلى الحل السلمي عن طريق رزنامة لإجراء انتخابات نيابية ورئاسية خلال سنتين على الأكثر.
  • على الجزائر رفع حالة التأهب العسكري والدبلوماسي قصد حل المشكلة الليبية في أقرب وقت ووضع حد للطموح والتوسع التركي في المنطقة.

اقرأ أيضًا: بعد وقف التنقيب في المتوسط.. تركيا تسعى للتهدئة مع اليونان والعين على ليبيا

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

المستشار كمال كرلوف

المهندس كمال كرلوف مهندس دولة في إدارة المشاريع وخبير مستشار في منجمنت الشركات والمؤسسات، مدير سابق في عدة شركات حكومية جزائرية، ناشط جمعوي ومؤسس لعدة جمعيات ومنظمات وطنية، باحث وكاتب في عدة مجالات سياسية واقتصادية وتنمية بشرية وعلمية، رئيس رابطة الكتاب والمؤلفين سابقا وأستاذ مشارك في جامعة البليدة سابقا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق