مدونات

طال الحزن على الوطن والعمر أفل.. لكن تونس تغفر

قد تحزن على مصير بلد كان في قريب الأيام سعيدًا، خانه الجميع وتُرك تحت رحمة الحظ، لا أحد منا يعرف مستقبل الوطن ومستقبل مواطنيه، مستقبل أبنائنا، ومستقبل أحفادنا. لا أحد يعرف إلى أين تونس ذاهبة.

عندما نتحدث أو يحدثنا الناس عن الوطن نجد أنه لا أحد يكره الوطن ولا أحد يريد الإضرار به، إذًا ما المشكلة وكلنا نعشق كل شبر من تونس ببحره وجباله ومراعيه بسمائه وهوائه البارد والسخن الشديد، أين الخلل وأين الداء ومكمنه؟

تكمن المشكل أن كلنا نحب الوطن ولكن لا نحب بعضنا البعض، وقد اكتشفنا ذلك وعرفناه في هذه السنين العجاف، سنين الفقر والتعثر في كل الميادين لقد أضعنا مستقبل الوطن بأكمله.

أضرّ عدم حبنا لبعضنا بالوطن، أضرّ بالإنتاج، أضرّ بالبحث والاكتشاف، أضر بالصحة، أضر بالتعليم بالاقتصاد بالصناعة بالأمن بالدولة، لم ننجح فشلنا في كل شيء. عفوًا إلا في الاقتتال فيما بيننا، وكرهنا بعضنا وكأننا من دول مختلفة في الدين واللغة والعرق، فهل نحن في تونس أم في مكان آخر؟ حقاً لم أعد أعرف وطني لقد تغير فيه كل شيء إلى الأسوء.

وعلى الرغم من كل شيء يبقى حبه في القلب كحب الأم لابنها، يبقى حبه كحب العاشق لحبيبته كحنين الأم لرضيعها. هو الوطن ويبقى دائمًا وطني الأبدي، كثر وتراكم حزني على وطني، بكى الليل وذرف الدموع، صاح الناي وأصدر أنغامه بخشوع، نست جفوني لذّة النوم وتعودت روحي على هديل الحمام.

حزن الوطن لا نور فيه، أشعر بضيائه في عيني يشبه ضياء الشموع. يدور الماضي بعقلي ويجول فيعود إلى قلبي نبض الحياة وشيء من الأمل وينشر فيّ نورًا يقتل الظلام.

أسمع همسًا يسري إلى أذني ويقول: جرى العمر ومضى بلا رجوع ويبقى الوطن يروي غليلي بشهد المياه. أنا يا وطني حزين لأني أرى وردك يذبل وسط الحفر، حزين لأني أرى الذئاب في ثوب ضباء، في وطني الحزين وفي صدورها قلوب من الحديد، ولكن نسوا أن رياحك عاتية شديدة تحني رقاب كل خائن مغرور.

حزين على مستقبل الوطن وأسال نفسي كل يوم لماذا أرى الاخ يأكل لحم أخيه دون حياء، أناجيك وطني والدموع تذرف وأراك في خيالي عروس بحر تسبح في الغريق. وكأنك شيئًا يبرق كالبريق تسعد روحي وأنسى سُهدي وسقمي، أناجي وطني سرًا فما من مجيب. مضى كحلم أناديه ولكن يجيبني الصدى الوحيد. هجرك وطني يقتلني لم يبق منك في حلمي إلا وميض صورك، ذاك هو القدر تهجرني بلا سبب سواء حبك القاتل.

هجرك وطني يقتلني وتأبى العيون أن تصمد فتذرف دمعًا عصيًا حييًا، الليل أكرهه فأسهر حتى أمِلّ السهر، أترقب ضوء القمر، فأشكوك للقمر وأشهده عن ظلمك يا وطن، يغفو مع الفجر نور القمر ويسطع ضوء الشمس وأنا حزين.

حزين أنا على مستقبل الوطن كان في يوم من الأيام سعيد حتى استباحوه الغجر، وبقت في قلبي ذكريات تثير الشجون. يا ربي أرحم وطني ومن فيه، لطفًا يا ربي بهذا الوطن، وبالطفل الوليد، وبثكلى تربي يتيم، وبشيخ مسكين، وبجروحي التي تُذيب الوريد.

يا ربي أرسل على وطني ضوء صبح جديد وأكسي أرضه كساء الأمان وأنسينا عذاب الماضي الأليم، طال حزني على وطني، وعمري جرى سريعًا كشهاب أفل.

اقرأ أيضًا: «صخرة سيزيف» تجثم على الصدور.. صبر شباب المغرب نفد

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

صلاح الشتيوي

كاتب تونسيي كتب العديد المقالات في السياسة والبيئة والاقتصاد تم نشر اغلبها بجريدة الشروق الورقية و بعض المواقع العربية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق