سياسة وتاريخ

طارق بن زياد.. عربي، أمازيغي أم فارسي؟

يعتبر طارق بن زياد الليثي أحد القادة المسلميين المحنكيين لما كان له من دور في فتح الأندلس وتوسيع راية الإسلام للجزيرة الإيبيرية التي كانت حلم الخلافة الأموية. وقد طرحت هوية طارق بن زياد خلافات كبيرة و متباينة بين من ينسبه للعرب ومن ينسبه للبربر ومن ينسبه للفرس إلا أن المصادر التاريخية تقول أنه عربي وسنتناول في تحليلنا هذا أصل طارق بناءا على المصادر العربية و الأجنبية.

فطارقا كما ذكره المؤرخ ابن عبد الحكم، وهو يرجع إلى نسبه في قوله: “طارق بن زياد بن عمرو”، فإن أباه زياد بن عمرو من بني الصائد إحدى بطون قبيلة همذان العربية، حيث ينتسب إليها جده ثمامة الصائدي، واسمه زياد بن عمرو بن عريب بن حنظلة بن دارم بن عبد الله الصائدي، وبرأيه معروف أن صدف وبني الصائد هم من همذان بن مالك بن زيد بن أوسله بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان ابن سبأ (ابن حزم، جمهرة أنساب العرب، ص. ص 392 – 395، 475 – 476).

وهناك آراء ابن خلدون والبلاذري والمقري التلمساني في اعتبار أن طارق بن زياد من أصل عربي. ولم يورد ابن خلدون نسب طارق بالتفصيل، لكنه في معرض حديثه عن ظروف فتح الأندلس، نسب طارق بن زياد إلى بنو ليث، وبنو ليث هي إحدى القبائل العربية المعروفة من فروع قبيلة كنانة. (ابن خلدون، ج4، ص 188).

وفي نفس الاتجاه تقريباً، ذهب المؤرخ ابن خلكان، صاحب كتاب وفيات الأعيان، الذي أرجع نسب طارق بن زياد إلى قبيلة الصدف الحضرمية اليمنية. (ابن خلكان، ج5، ص 320). كما ذهب الأستاذ معطي موسى (Matti Moosa) إلى أن طارق عربي عينه موسى بن نصير بقيادة جيش العرب لفتح الأندلس. (The Origins of Modern Arabic Fiction p201).

أما الأستاذ محمود المنزلاوي (Mahmoud Manzalaoui) فقد أورد في كتابه الصادر عن مركز البحوث الأمريكية بمصر
« طارق قائد الجيش العربي ». (Arabic Writing Today: The Short Story, Volume 1 p176).

ويخبر ابن بطوطة في رحلته عن ابن جزي الكلبي (فقيه أندلسي) أن بقايا سور جبل طارق سميت “صور العرب” ، فيكون هذا دليل في اتجاه عروبة طارق بن زياد و جيشه. حيث جاء نقلا عن الكتاب مايلي :
ومنه كان مبدأ الفتح الأكبر ، وبه نزل طارق بن زياد مولى موسى بن نصير عند جوازه ، فنسب إليه ، فيقال له : جبل طارق وجبل الفتح ؛ لأن مبدأه كان منه ، وبقايا السور الذي بناه ومن معه باقية إلى الآن ، تسمى بسور العرب شاهدتها أيام إقامتي به عند حصار الجزيرة. (رحلة ابن بطوطة : تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار الصفحة 451).

ومن الدلائل التي يعتمد عليها بعض أصحاب هذا الرأي في إثبات النسب العربي لطارق بن زياد هي مسألة اسمه الثلاثي، فهو طارق بن زياد بن عبد الله كما ورد في جل المصادر التاريخية، والمعروف أن العرب عادة ما كانت تعتمد الإسم الثلاثي عكس باقي الأجناس ، علاوة على أن طارق وزياد وعبد الله كلها أسماء عربية بل أن طارق بن زياد هو من مواليد 679 وتوفي سنة 720 بدمشق وعليه فقد كان عمره 33 سنة عندما قتل الجيش العربي الملكة المحاربة البربرية الكاهنة ديهيا فمن أين أتت الأسماء العربية لأبيه وجده وهم كانوا أحياء قبل دخول الإسلام بسنين؟ ولماذا لم يتغير إسم أجداد غيره من البربر المسلميين؟ هذه تساؤلات تحيلنا صراحة على عروبة طارق بن زياد ولأن هذه الأسئلة منعدمة الجواب الموضوعي لجأت بعض الفئات لتزوير إسم طارق زعما أنه تغير مع الإسلام إلا أن هذا باطل ولا أساس له، فكل المصادر تجمع على إسم طارق الثلاثي سواءا المصادر الإسلامية أو الأجنبية زيادة وكما قلنا سابقا أن طارق بن زياد كان حيا قبل دخول الإسلام لشمال إفريقيا (بالضبط المغرب والجزائر ) فكيف سيتغير إسم جده للعربية وفي هذا السياق نجد المصادر الأنجليزية تؤكد أن نسب طارق للبربر كان هذفه الإقلال من قوة العرب ونسب الإنتصار الأول على الأراضي الهسبانية للبربر كي لايعتبر الجيش القوطي قد إنهزم أمام العرب ويبرز لنا التناقض في المصادر الفرنسية والإسبانية كونها تقول أن يوليان قد تحالف مع العرب لغزو شبه الجزيرة الإيبيرية وفي نفس وقت تقول أن جيش الفتح كان أغلبه بربر بينما موسى بن نصير أثى بجيش أخر بحرا كلهم عرب وإستكمل الغزو نحو فرنسا وبعض المصادر الأخرى الإسبانية تقول هي الأخرى أن جيش طارق كان عربي بربري وعليه هناك تباين واضح في المصادر الفرنسية والإسبانية وهذا التناقض لانجده في المصادر الأنجلوساكسونية التي تشير صراحة لعروبة طارق وجيشه.

كما أنه من المستبعد أن يكون طارق أمازيغياً حيث عُرف عنه أنه شارك في غزو شمال إفريقيا ومحاربة الأمازيغ لسنوات وقتل المئات منهم مع الجيش الأموي الإسلامي . ومن المؤشرات الأخرى هي الوظيفة التي كان يزاولها طارق بن زياد قبيل الفتح، فقد عينه موسى بن نصير قائداً ووالياً على طنجة، والمعروف أن بني أمية لم يكونوا عادة يولون على الجيش غير العرب.

وإن من المعلوم أن طارق بن زياد رجع إلى الشام، ومكث هناك حتى توفي سنة 101ه/720م، ويعتبر بعض المؤرخين أن هذا دليل أخر على أن طارق بن زياد عربي، فلو كان بربرياً لرجع إلى قبيلته وعاش أواخر أيامه بين قومه. أما المصادر الغربية فلم تشر صراحة لنسب طارق إلا أنه وبالرجوع للمخطوطات القديمة نجد مخطوطة قوطية تعود للقرن 8م ، جاء فيها ذكر طارق بن زياد في السياق التالي :

في العام الثاني و التسعين من العام العربي ، استحوذ الخليفة الوليد على عرش الحكم إلى حدود العام الخامس ، لذريق غزا المملكة [هسبانيا] في فترة عصيبة بدعم من المجلس . و حكم لمدة سنة ، و لقد حشد قوة عسكرية ضد العرب الذين كانوا و المغاربةَ الذين أُرسِلوا من طرف موسى : و ذلكم طارق بن زياد  (Taric Abuzara) و الآخرون . لفترة طويلة كانوا قد شنوا غارات على الأقاليم المعارة إليهم و في الوقت ذاته استولوا على عدة مدائن . و في العام الخامس من حكم جستنايانوس و في العام الثالث و التسعين من التاريخ العربي و العام السادس من حكم الوليد […] قدِم (يقصد لذريق) ليواجههم فقام بتوجيه كامل جيشه من القوط ، الذين وصلوا معه بمعنويات مليئة بنوايا الحسد و الخداع على حساب الطموح من أجل المملكة . و عليه فإنه خسر المملكة بشكل مأساوي إلى جانب دولته و حلفائه الذين توفوا . بينما الوليد كان قد أكمل عامه السادس في الحكم .

أما المنمنمة الأوروبية القوطية من كتاب بورتريهات الملوك التي تعود للفترة مابين 1300م و 1400م فقد جاء فيها مايلي :

طارق بن زياد

De Africa Tarich el fijo del miramomolin Rey de Marruecos fo muy grandes poderes de moros aribo en Tarifa

وترجمتها الدقيقة هي: إلى إفريقيا طارق الثابت (أي المعين) من قبل أمير المؤمنين وملك المغاربة بجيش عظيم مكون من المورس العرب الى طريفة.

وتجدر الإشارة إلى أن كتاب بورتريهات الملوك يعرف المور على أنهم عرب لذكره الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أنه من المور  حيث جاء في المنمنمة (moorish Mohammed) وذالك في ص41 كما هناك من يخلط في المنمنمة بين Aribo و Arribo وهي كلمات مغايرة لكل واحدة دلالة والعبارة الأولى هي الواردة في المنمنمة أعلاه ويمكن مراجعة كتاب بورتريهات الملوك عبر الضغط عليه .

وهذه المنمنمة تعود للقرن الحادي عشر ميلادي 11م كما سبق وأشرنا و مصطلح مور في هذه الفترة لم يكن يقصد شعبا أو عرقا معينا حيث كان يصف المسلميين عامة بإختلاف أعراقهم كما تجمع المصادر بالتواتر.

أما الموسوعة الإنجليزية فقد ذكرته ب ” العربي طارق بن زياد الذي أخد إسمه جبل طارق” . (The English Cyclopedia, Partie 1,Volume 1 p421).

بينما كتاب (Persia, the Rise of Islam, and the Holy Roman Empire p40) فقد جاء فيه ذكر للجيش الذي قاد طارق بن زياد الليثي في السياق التالي :
بسبب نزاعات الأسر الحاكمة القوطية بدت إسبانيا للجيش العربي المعتاد على الفوز فريسة سهلة وهي دلالة على أن طارق كان عربي مادام هو قائد الجيش.

وقد أشار الدكتور كريستوفر باونتين (Dr.Christopher Pountain) (أستاذ فخري في اللغويات الإسبانية بجامعة كامبردج الأمريكية) إلى طارق في كتابه تاريخ اللغات الإسبانية (A History of the Spanish Language through Texts p42) في السياق التالي .
“إن الوجود العربي أنهى سياسة مملكة القوط الغربيين بعد غزو شبه الجزيرة الإيبيرية من القوات العربية بقيادة طارق بن زياد.”

أما كتاب  Modern and Contemporary Political Theater from the Levant: A Critical Anthology p132  للدكتور روبرت مايرس ( Robert Myers) أستاذ الأذب الإنجليزي بالجامعة الأمريكية ببيروت و الدكتورة ندى صعب (Nada Saab) وهي أستاذة مشاركة في الدراسات العربية في قسم الاتصال والفنون واللغات ، وعضوة في برنامج الأدب المقارن. وهي أيضًا منسقة الأدب والعلوم الإنسانية بالجامعة اللبنانية الأمريكية فقد جاء فيه ذكر لطارق بن زياد على أنه لواء عربي وهو أول من دخل الأندلس .

وقد أكذت موسوعة كامبردج الإسلامية الأمريكية هي الأخرى أصوله العربية سيرا على ما أكده قبل المؤرخ الإيطالي باولو جيوفيو الذي قال أنه مولى عربي معتق . (موسوعة كامبريدج الإسلاميَّة ، ج2 ، ص 439)

ونجد أيظا كتاب Le postmodernisme dans le roman africain: formes, enjeux et perspectives وهو مؤلف مشترك بين الدكتور روجر ترو ديهو (ROGER TRO DEHO) و الدكتور أداما كوليبالي (ADAMA COULIBALY) و الدكتور فيليب أمانجوا أتشا (PHILIP AMANGOUA ATCHA) الدي جاء فيه عن طارق بن زياد مايلي الفاتح العربي طارق بن زياد”.

وبالرجوع للموسوعة البريطانية لنشر المعرفة المفيدة  (Penny Cyclopaedia of the Society for the Diffusion of Useful …, Volumes 1 à 2 p217) فقد جاء فيها وقد سلم جوليان الغاضب على ملك إسبانيا رودريك الجزيرة الخضراء في يد القائد طارق بن زياد العربي “.

ونأخد أيظا كتاب «Handbook of Research on Contemporary Approaches to Orientalism in Media and BBeyond p285» الصادر عن مركز البحوث التركية بجامعة إسطنبول والذي ثم نشره في الولايات المتحدة الأمريكية من قبل مؤسسة IGI GLOBAL وهي مؤسسة أمريكية لنشر البحوث الأكاديمية العلمية على المستوى الدولي يقع مقرها في بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية, فقد جاء فيه عن طارق مايلي:    “هذا التناقل الثقافي بين الشرق والغرب، مثاله الأول يأتي من شبه الجزيرة الأيبيرية عندما عبر القائد العربي طارق بن زياد إلى شبه الجزيرة الأيبيرية من شمال إفريقيا عام 711م، وقد أعقب غزوه تطوير العمارة الأميرية (القوطية) بلأندلس.

كما أشارت لهذه الشخصية المكتبة الحرة الإنجليزية من خلال مصادرها بقولها طارق بن زياد الجنرال العربي فاتح الأندلس“.

و هناك كذالك موقع منظمة حول التاريخ الإنجليزية ( ABOUT HISTORY) الذي تظم أكبر قاعدة بيانات تاريخية على الأنترنيت وقد ورد فيها في مقال المعنون ب(History of The Early Arab Conquests) مايلي : في سنة 711م أرسل موسى بن نصير القائد العربي طارق بن زياد لغزو إسبانيا “.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

ياسين التويجرات السباعي

طالب باحث في سلك القانون بجامعة إبن زهر. باحث في التاريخ المعاصر.
زر الذهاب إلى الأعلى