ثقافة وفنون

صناعة الپورن وتأصيل مفاهيم الجنس الغربية

 

صناعة الپورن

من حقائق صناعة الپورن أنها نشأت بالأساس في سياق “توعوي” صحّي، حيث كانت تُصوَّر لقطات لمتطوعين ثم “محترفين” من الجنسين يوافقون على تمثيل مشاهد تعرٍ قصيرة تهدف إلى توعية المشاهدين بأخطار الأمراض الجنسية، أكثر المشاهد في بادئ الأمر يمكنك أن تصفها بـ”القرف” بأريحية، مشاهد منفّرة ومقزّزة للمصابين بالأمراض الجنسية الشاَّئعة في الأربعينات والخمسينات، بعض التحسينات اللاحقة أضيفت لنفس الهدف السّامي الأساسي وهو “نشر الوعي الصِّحي”، مثل استعراض لمتطوّعين أو محترفين أصحاء عرايا من الجنسين بغرض المقارنة بين الشخص المريض والسّليم، وحثّ المشاهدين على اتباع قواعد النظافة الشّخصية والابتعاد عن الممارسات الجنسية الضّارة أو غير الصّحية بشكل عام.

هذه الأفلام القصيرة طالما جرى بثّها بانتظام في صالات السّينما وقبيل العرض الرئيس في قاعات الأفلام العادية جدًّا، أغلبها برعاية شركات الصّيدلة والعقاقير، ولم تكن تلقى رواجًا، بل على العكس كانت تلقى نفورًا واضحًا من الجماهير الّذين لم يكونوا ليحضروا مشاهدتها أو يفضلوا الانصراف عند عرضها غالبًا، أو حضور الفيلم الأساسي مباشرة، ممّا حدا بالقائمين على صناعتها إلى أمرين: أولا عرض هذه الأفلام الجنسية في أوقات استراحات الأفلام التي تتخلل العرض السينمائي، ثم لاحقًا بثّها على التليڨزيون الوطني.

صناعة الپورن التثقيفية

برغم كل ما قيل عن قِدَم صناعة الپورن وارتباطها المباشر بالدّعارة والتربّح من تجارة الجنس، وبرغم تجذّر الاهتمام بفكرة الإثارة الجنسية في التّاريخ الإنساني ذاته، لكن ظلّت أفلام الپورن التثقيفية تلك على هذا كله وحتى منتصف الستّينات تلقى تجاهلًا ونفورًا من المشاهدين، حتى تفتّق ذهن القائمين عليها إلى إضافة بعض المحسِّنات الترويجية ومنها مثلًا طلاء الممثّلين بالمساحيق التجميلية التي تجعلهم أكثر بهاء ونضرة وجاذبية على عكس واقعهم الشّاحب لفقرهم ومرضهم غالبًا، ثم لاحقا جرى إضافة ثمة حبكة قصصية تربط هذه المشاهد الإيروتيكية العارية في سياق متّسق.

الحبكة الدرامية يشترط أن تكون بسيطة وساذجة ومحدودة تتسم بالرّومانسية وتوحي بثمة علاقة حب، وهذه للمشاهد المأخوذة في أقبية قاعات التصوير أو في زوايا حانات البغاء، أو بيوت الجنس الرّخيص.

بينما بعض الحبكات تدور في جو من المرح والانفلات (الجماعي غالبًا) وهذه خُصِّصَت لمشاهد جرى تصويرها في باحات واسعة نسبيًا أو حدائق منازل كبيرة استؤجرت خصِّيصًا لهذا الغرض وحده، وهو ما يمكن اعتباره الشّكل الحقيقي الأول لصناعة الأفلام الإباحية الذي هندسه “أندي وورهول” صاحب موجة أفلام “البلو الأمريكية” في الستّينات التي عُرفت بحبكاتها القصصية وبمشاهد جنس كاملة لممثلين محترفي المظهر السينمائي والأداء.

هذه الأفلام وجدتْ لها جمهورًا تدريجيًا وعلى استحياء، وخصِّصَتْ لها قاعات ومواعيد عرض محدّدة ومستقلة، إذ لم يعد الأمر كما كان في السَّابق مقتصرًا على فواصل الاستراحات، أفلام اعترف كبار نجوم “هوليوود” لاحقًا بالحرص على متابعتها، نجوم في ثقل “چاك نيكولسن”، و”فرانك سيناترا” و”مارتن سكورسيزي” وحتى الإعلاميات البارزات أمثال “باربارا والترز”، لكنها على ذلك ظلّت أفلامًا ضئيلة الأرباح على الأقل مقارنةً بميزانياتها الإنتاجية!

يشاع عن “وورهول” كذلك أنه الأب الرّوحي لصناعة الپورن الذي طالما اعترض على المفهوم التثقيفي التوعوي لأفلام التعري، إذ اعتبرها دوما “صناعة ترفيهية مستقلة خام”، فرع قائم بذاته من الفن حتى أنه دأب على كتابة سيناريوهات قصيرة لأفلام الپورن ورسم شخصياتها المتنوعة قبل أن يزدهر عمله في الستينات حتى بوقت طويل جدا.
أو كما يُقال إنه كان يرى في الجنس ما هو أبعد من دلائله الصّحية!

يمكن اعتبار هذه مجرد تقدمة لمقال لاحق يتناول الاصطلاحات الجنسوية ومدلولاتها في الثقافة الغربية، وتأثيرها على الثقافة العربية.

اقرأ أيضا: كيف صورت السينما المصرية العلاقة الجنسية؟ نظرة تاريخية حول المحظور والممنوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى