ثقافة و فنون

صناعة الوعي

إن عملية صناعة الوعي لا تقل أهمية عن الصناعات المختلفة بل هي أعظم الصناعات، فكل الحضارات البشرية تطورت حينما اهتمت بصناعة وعي أجيالها المتعاقبة وإذا أهملت هذه الصناعة ضاع المجتمع في بحور من التشتت وغابت بوصلة الحقيقة عنه وضاع في متاهة…..

إن العامل في المصنع المادي يخرج ألاف المنتوجات المتشابهة في الكم والجودة كل يوم، لكن صانع الوعي مطلوب منه أن يساهم في بزوغ شمس كائنات واعية متفردة في هذا الوجود لا تشبه أحدا، قادرة على أن تتابع معركتها في إثبات الذات بكل ضراوة وبدون استسلام، إنها صناعة الوعي صمام أمام حضارتنا إذا أردنا النهوض من حالة السباة، وان نتجنب أن نصبح رفاة..

كانت حضارة المسلمين في الأندلس يضرب بها المثل في الإزدهار والنمو، حيث عرفت تطورا في شتى الميادين العلمية والفكرية والأدبية والفنية، رغم بعض المحاولات المعزولة من طرف فئة لا واعية لإقبار هذه الحضارة كما حصل مع العالم الجليل عباس بن فرناس حينما اتهموه وأرادوا به كيدا قصة طويلة وتحتاج سردا، لا يتسع المجال لذكرها، لكن ما يهم هو أن المشوشَون وأصحاب الفكر المحدود كان موجودين حتى حينما كنا أقوياء حضاريا، أما الأن فقد أصبحت لهم الأغلبية حينما أصبحنا لقطاء حضاريا! كان الكتاب خير موجه للأندلسيين، راكموا علما وافرا وجمعت حضارتهم الزهراوي وعباس بن فرناس و ابن رشد وغيرهم…

أما الأن أصبحنا نعيش في حالة إخماد الوعي التي تسببت فيها  وسائل التواصل الحديثة التي غيبتعلمائنا ومفكرينا، وأخرجت لنا الراقصين والمعاكسين الفطرة ليقتدي بهم أبناءنا! وبئس القدوة وبئس السبيل الذي نسلكه.

يقول المفكر الهندي أوشو في كتابه الطريق إلى التأمل أن التأمل لم يكن يوما ما ضد الحركة وينفي التعريف الذي نعرفه جميعا بأن التأمل هو حالة سكون يبلغ فيها الإنسان درجة كبيرة من الوعي، لكن التأمل هو أن يرافق الوعي كل حركاتك وأي شيء تقوم به هذا هو التأمل، فهل نحن متأملين بحق؟

فالوعي لا يخالجنا في بعض الأحيان حتى في الصلاة، ونقوم بحركات لا واعية، ونقاشات بعض مثقفيا في بعض الأحيان تقلب إلى ساحة حرب ويحلق الوعي عاليا مبتعدا عن ساحتنا، حيث لا نقبل فكرة تعاكس توجهنا، وننتفض إذا اختلف عنا الأخر، هي حالة من الفوضى اللاواعية، قد يقوم بها حتى من نسميهم صناع وعي في مجتمعنا، كالأسرة والمدرسة، فالأسرة تنحو نحو المادية يوما بعد يوما، والأباء الجدد هو العبيد الجدد، عبيد للخبز والأمن الإقتصادي لأسرهم، وكأن العالم سيتوقف إذا مر يوم جوعا! لكنه سيتوقف حقا إذا خرج جيل غير واع للمجتمع، حتى لو كان له شهادات ودرجات علمية، لكنه في القيم قيمة صفرية أو أقل من ذلك، يجب أن نقدس القيمة ولا نقدس الأشخاص، أن تكون لنا مبادئ تحمينا شخصياتنا من الإفلاس، إفلاس قيمي روحي.

أما المدرسة فقد همش دورها، (عن المدرسة العمومية اتحدث) وأصبحت مجرد مكان لجمع أولئك الصغار لكي لا يتسكعوا في الشوارع! تكاد تكون مقررارتها في أحيان كثيرة تخمد الوعي والممارسة التأملية في الحياة، أليس اتخاذ القرار والتفكير الإبداعي وحل المشكلات، كلها مهارات ملحة في عصرنا الحالي،ولا تجد مقررا دراسيا يلمح لها حتى مجرد تلميح!!! فيخرج جيش عرمرم من الخريجين لهم شهادات وكفاءات نعم لكن بدون مهارات حياتية تراتبط بالوعي، فالبعض يعتمد النقل دون العقل، وكثير من أصحاب الدكتوراه متعصبين لرأيهم وإن ناقشته، شتمك بكل سماجة وقلة أدب، ما معنى أن تكون عالما بدون أدب، معناه ان ترافقك الخسة والندالة لهذا السبب.

لم أطلب أن يكون صناع الوعي قديسون لا يخطئون، إنما يجب عليهم أن يشيعوا الوعي في مجتمعنا، فهم مؤسسات الأمل، فلا الشارع ولا وسائل التواصل سترفع منسوب وعينا، لأننا مجرد مستهلك نهم لها، نستهلكها في التطفل على الناس ومتابعة أخبارهم، في تتبع فضائحهم وزلاتهم، بدل نموهم وتطورهم، نعم كلنا ينتظر بعضنا لكي يفشل، فتلك هي سعادته وبئس السعادة، تلك التي تؤسس على تعاسة الآخر، بئس الحب المشروط بالمصلحة، ذلك الحب البرغماتي، الذي يجعل من يضحي محبوب لو على حساب راحته.

 
الوسوم

تعليق واحد

  1. وفقك الله استاذي الغالي وارشدك لما يحبه ويرضاه بنفع هذه الامة التي تحتاج الى اقلام مثل قلمك لنشر الوعي داخل المجتمع
    اسماعيل الزبحي

     

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق