ثقافة و فنون

صناعة الوعي (الجزء 3)

إهداء:

“إلى ذلك الإمام صاحب المتجر الذي يتوسط الدوار(البلدة) ، هذا المقال إهداء لروحك الطاهرة، تغمدك الله بواسع رحمته، وليسامحنا الله على رمينا الأحجار الصغيرة على بوابة متجرك حينما كنا أطفالا صغار، ألم يقل المثل أن الشجرة المثمرة تقذفها الناس بالحجارة، لربما كنت أنت شجرة مثمرة ونحن حجارة سيقت لك كعراقيل ومطبات…. ”
حينما كنت صغيرا كنت أقتدي بالفقهاء والعلماء والأطباء والوجهاء والسلاطين والرؤساء العظماء ،منهم قادة وأخرون زعماء، فهؤلاء كانوا بالنسبة لي ذوو مكانة اجتماعية عظمى، بأفكار هم بأعمالهم ربما، المهم أنهم النخبة وإذا حشرت معهم في دنيا الله، فذاك حظ عظيم،حظ لن يجاوز عنان السماء حيث المسؤولية تكليف لا تشريف، حيث تنتظرنا ثنائية الحساب والعقاب.

مولانا الفقيه الإمام متعدد المهام

سمي فقيها (يطلق إسم فقيه على من يؤم الناس في المسجد ويخطب فيهم يوم الجمعة) لأن اهل الدوار (البلدة) يستفتونه في كل شؤون حياتهم وكأنه ابن تيمية زمانه، يحمل جلبابه على كتفه وسطل صغير في يديه ينتظر الصلاة بعد الصلاة قلبه معلق بالمسجد، كان يرحم المسكين ويحامي على الأرملة، ينقذ العصافير من شباك الأطفال، وفي بعض الأحيان كان يلعب دور بنك، يحتفظ بأموال الناس في بيته، لأنه كان ثقة، يثق فيه الجميع، يستودعونه أموالهم، كان إماما سابقا، وبعدما انتهت مهمته في الإمامة اتخذ لنفسه متجرا وسط الدوار يقصده القاصي والداني للتسوق، لأنه كان مشهور بين الناس بأمانته، توفي بمرض عضال أنهك جسده وأسلم الروح لبارئها في يوم ممطر من أيام الشتاء، وترك وراءه سيرته التي ستشهد عليه إلى يوم القيامة بإيجابياتها وسلبياتها، كان محترما من طرف الجميع، وما كنت أحترمه في شخصيته هو إلتزامه بأداء الصلاة في وقتها مهما كلفه الثمن، بمجرد أن يعلن الاذان ، يتوجه للمسجد، حيث يذر البيع ويسعى للصلاة في تجسيد للدعوة القرآنية في سورة الجمعة، لربما لأنه كان إماما سابقا، وتعود على الحرص على الصلاة، لاتهم الأسباب بقدر مايهم السلوك الراقي، في الحرص على لقاء الله في بيته، ومناجاته.

كان الأئمة في وقت سابق ولا زالوا لحد الأن مقيدين من طرف الساكنة (الجماعة) التي يؤومونها، لدرجة أنني كنت أشاهد أئمة يلبسون تلك الجلباب التقليدية حينما يقتربون من مقر عملهم، والويل كل الويل لمن نسي طربوشه (قبعته) ودخل عليهم عاري الرأس!!! مولانا الإمام استر عورتك، أقصد رأسك،وذات مرة حكى لي أحد الأصدقاء، أن الناس استغربوا حينما شاهدوا إمامهم، يلعب الكرة مع أقرانه، من الشباب، وكأنه معتقل مكبل في المسجد محروم من متع الدنيا المستحبة، من حرم زينة الله التي أخرج لعباده؟ هكذا خاطب القرآن الناس، في ديننا السمح، دائرة الحرام ضيقة جدا، ودائرة الحلال متسعة جدا.

هذه الممارسات تؤكد بشكل أو بأخر سمو المظاهر الشكلانية أو الشكلية في حياة المسلم المعاصر، الذي يحرص على احترام الظاهر وإغفال الباطن، الذي يظهر أمام الناس متقيا طيبا، وإذا خلا بمحارم الله انتهكها، فطوبى لمن تطابق ظاهره مع باطنه، وكان تقيا وقافا عند الحق في سره وعلانيته.

ربما بسبب هذه الممارسات، لن يستطيع الأطفال الصغار الإقتداء بالإمام على الأقل في أقواله، كيف لهم ان يقتدوا بشخص يقترب من الرق، وتصادر حريته بمجرد إلتزامه بإمامة الناس!! ألم يقل سيدنا عمر متى استعبدتم الناس وقد والدتهم أمهاتهم احرارا؟

الطبيب : الجانب الإنساني المغيب

بمجرد أن أرى طبيب في مشهد تلفزي أو حتى في الواقع، كان يتبادر لذهني العصمة من الوقوع في الزلل المهني الفادح، أو خيانة الثقة، فالطبيب يمكن أن يكشف على المرأة، حتى بدون محرم!! لكن هذا مع تسلحه بالعفة والوقار ، لكن مع توالي السنين اكتشفنا، بعض الأطباء الذين شوهوا المهنة بممارساتهم، فذاك يبيع الشواهد الطبية  للأصحاء المرضى!! والآخر يكتب وصفة طبية مصطنعة، ليزيد ربح صديقه الصيدلي، والأخر يترك مريضا في حالة حرجة، ويرفض ان يعالجه بحجة عدم تأديته أقساط مكوثه في المستشفى، اللعنة على هكذا تصرفات متى كانت مساعدة الناس ومد يد العون للمحتاج مشروطة، ومتى كانت مهنة الطب، تلك المهنة النبيلة بهذا الشكل!! لربما بسبب دخلاء عليها جدد، جعلوها وسيلة للتربح المادي فقط، وألغوا الجانب الإنساني فيها، وأصبحت تنحو رويدا رويدا نحو المادية.

يكفي الطبيب شرفا أن من مارس مهنته من الأنبياء هو المسيح عيسى عليه السلام، من كان يبرئ الأكمه والابرص ويحيي الموتى بإذن الله، فحينما يسطفيك الله لتدواي عباده كن رؤوفا رحيما بهم، فليسوا جميعهم على صعيد واحد منهم الفقير المحتاج المستعفف والغني المتجبر بغناه، وغيرهم، يجب أن تتعامل مع كل واحد حسب شخصيته، فلترحموا من في الأرض ليرحمكم من في السماء، من أخطر النزعات التي ستدمر السلم الإجتماعي هي النزعة المتنامية في خوصصة قطاع التعليم والصحة، وللتعامل معهما بمنطق المقاولة، بدل منطق الخدمة الإجتماعية.

المعلم الإنسان : خادم نفسه وخادم قسمه

نبدأ بضرورة التنبيه إلى أن مصطلح المعلم ليس قدحيا بالمرة، فالتعليم يبدأ من الحضانة إلى أروقة الجامعة، كل من يدرس مادة معينة هو معلم، سواء كانت مادة ذات بعد نظري عملي تقني، وكلمة أستاذ يقال أنها فارسية ودخيلة على معجم لغة الضاد، هذه التوطئة حتى نتجاوز تلك النزعة التمييزية بين معلمي الأسلاك الدنيا ومعلمي الأسلاك العليا، فبدل التركيز على رفع الإنتاجية لنيل الأفضل، نركز على الطعن في الأخر، وجعله دونيا، أفضلية أي إنسان هي القيمة المضافة التي يقدمها في أي مجال كان، وفي ذلك فليتنافس  المتنافسون.

لازلت القرى المغربية تحترم كثيرا المعلم، الذي يأتي ليدرس أبناءها ، وتقابله بالترحاب،فمن جرب مرارة الجهل سيفتح ذراعيه بالاحضان مهللا للعلم، فرغم ضيق الحال وقلة الإمكانيات يتعاون البدوي مع معلم أبناءه ويوفر له السكن لكي يتفرغ للتربية والتعليم، وما أصعبهما من مهام، حيث يحرص المعلم أن يترك بصمة إيجابية في شخصية تلاميذه، فهم يقتدون به في كل شيء، لذلك فهو مطالب بأن يكون إسوة حسنة، فكم اقتدينا بمعلمينا حينما كنا صغارا أو مراهقين!! فتارة تجد معلما وقورا، مهذبا، تتمنى أن تكون مثله، وتارة تجد معلما بذيء اللسان، مستهزءا بالإنسان، تتمنى أن يجنبك الله ما ابتلاه به، لكن حتى تتنور بصيرة الطفل فهو يحتاج وقت طويلا لذلك المفروض على المعلم أن يبين الحسن من أقواله وأفعاله، ويستر السيء، مجتهدا طبعا في تغييره نحو الأحسن.

كنا شاهدين في الصغر على ممارسات معلمين كانوا يمثلون دور القائد في ديكتاتوريته، حيث يرسلون تلاميذهم بعد انتهاء أوقات الدراسة للقيام بعملية السقي وحمل أثقال خدمة لمعلميهم، قد يقول قائل هذا واجب يقدمه التلميذ لأستاذه، سأجيبه مابالنا يختلط علينا دائما الواجب بالحق والمسؤولية بالتطوع، كيف لمعلم ان يحمل تلاميذه مالاطاقة لهم بهم، مايذيقون ذرعا به، ويشتكون، ماذنبهم هم إن لم توفر له وزارته، الماء المشروب أمام منزله، ماذنب أجسادهم الصغيرة، حتى تحمل قسرا على أعمال السخرة دون رضاها،كنت من بين الأشخاص المفروض عليهم السقي للأستاذ وكم كنت أرفض هذه الخدمة المفروضة بعد انتهاء دوام الدراسة، فقد تغرب عليك الشمس ويجن الليل عليك وانت لازلت تكافح مع قارورة ماء من5ليترات لتوصلها لأستاذك، الذي ينعم براحة في منزله، والذي كان من المفروض ان يخدم نفسه بنفسه، فسيد الرجال خادمهم هكذا علمتنا الحضارة الإسلامية، علمتنا التوكل لا التواكل والإتكال، فما الضير إذا سقا المعلم لنفسه، وماالضير إذا خدم نفسه بنفسه، سيزداد تقديره عند تلاميذه وأنذاك سيكون إسوة حسنة وسيبقى ذكرى  طيبة في مخيلتهم الصغيرة لن يمحوها الزمن.

النموذج المحمدي للعيش على الأرض

ختاما لا يمكننا صنع قدوة على مزاجنا، فحتى ولو افترضنا جدلا أن هذه النماذج المجتمعية مشرفة وتستحق أن تكون قدوة، فلا يخلو الأمر من استثناءات ستعكر صفو المقتدي، لذلك من أراد القدوة فعليه باتباع المنهج النبوي، فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان قرآنا يمشي على الأرض، كان إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر، فليسارع الإنسان لتبني النموذج المحمدي للعيش على الأرض ،ليكافح ليعيش كما النبي بأخلاقه وصفاته الرفيعة، ولا يقتصر الإقتداء فقط على المظهر والشكل،بل يتعداه إلى الجوهر والصفات.

إقرأ أيضا:

صناعة الوعي

صناعة الوعي (الجزء 2)

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق