ثقافة و فنون

صناعة الوعي (الجزء 2)

إن ميلاد كائنات واعية بذاتها قادرة على تحمل مسؤولية إعمار الأرض هو بلا شك سيؤدي إلى ارتفاع الصبيب الإبداعي لديها كصبيب الانترنيت العالي الجودة، لكن صبيب الوعي غير متاح للجميع، بل لأولئك الذين يطرقون بابه ويطرقون، وربما ولد معهم منذ البداية، المهم هو أن الإبداع ليس حرفة عامة يمتهنها الجميع بل للخاصة..

إن أهم مرحلة في حياة المجموعات البشرية والحضارات هي حينما تنتج العلم والمعرفة، وهكذا بدأت قصة حضارة الأندلس العظيمة، فالمسلمون هناك تركوا إرثا حضاريا عظيما لا ينسى وكانوا مبدعين بحق في شتى مجالات الحياة، حتى أن  الإبداع كان عبادة يتقرب بها لله، فأي عمل يفيد العباد هو وسيلة لنيل مرضاته سبحانه.

أما الآن فنحن نعيش أزمة إبداع ونراكم تطورا كميا استنادا لمنطق التقليد الأعمى، هذا المصطلح الشرعي الذي يعبر عن تغييب العقل في الممارسة التقليدانية، التي تكتسح كل المجالات العلمية والادبية والفنية والتقنية حتى.

تابعت على مواقع التواصل موجة المدح في حق مسلسل مغربي اسمه الماضي لا يموت، التي قادها مجموعة من غير المتخصصين في الصناعة الدرامية و السينمائية! والتي أعقبتها موجة ذم وانتقاص بعد اكتشاف أن القصة مسروقة من مسلسل تركي وهذا الأخير مستوحى من مسلسل أمريكي وتستمر السرقة الإبداعية!!

هذا ما إن دل على شيء فهو يدل على تجسيدنا الدائم وحبنا لنزعة التقليدانية والميل نحو تقليد الآخر، دون استخدام تجاربنا الشخصية وإطلاق العنان لمناطق تفكيرنا الحرة.

إني أتساءل ألم يحن الوقت لنكون مستقلين في أفكارنا، في إبداعنا، في اختراعاتنا، في تطورنا..؟
حينما كنت صغيرا كنت مهووسا بالدراما التاريخية السورية التي كانت تجسد ملاحم من التاريخ الإسلامي وبرز ممثلون لامعون كجمال سليمان الذي مثل دور الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، الذي يبهر المشاهد بفصاحته اللغوية، ويكفي لتسمع إسم المخرج حاتم علي  لتفكر في مشاهدة المسلسل، على الأقل الإبداع سوري والتجسيد أيضا بعيدا عن النمطية والاقتباس.

نتذكر أيضا المخترع المغربي الشاب  عبد الله شقرون الذي حطم الأرقام القياسية (غادرنا إلى دار البقاء رحمه الله رحمة واسعة)، نتذكر محاضرته على منصة TEDx Maroc في جامعة الأخوين، حينما قال أنه بحث كثيرا عن كافة أنواع المحركات لكافة أنواع المركبات (سيارات، سفن، طائرات) وهنا بدأ يخطو خطوته الأولى في رحلته الإبداعية، حيث تبدأ الرحلة بالأساسيات في علم معين وتمر إلى المعلومات ثم المهارة ثم الإبداع كمرحلة القمة والختم، وطوبى لمن ختم الله له بالإبداع، قرأت ذات مرة  في أحد  الكتيبات أن  موجة الدروس عن بعد (online courses) تعطي المتابع فقط معلومات عن مجال معين، لكن يجب عليه أن يؤسس بنفسه الأساسيات ويكتسب المهارة ولما لا يصبح مبدعا كما الآخرين، يقول الكاتب أن الجامعات هي أفضل مكان لاكتساب الأساسيات حول موضوع معين، تخصص معين، لكنها أسوأ مكان لاكتساب المهارة، أما الإبداع في نظري فلربما تقتله خاصة مع وجود جيل جديد من الباحثين، حريصون كل الحرص على التراكم المعرفي وتراكم الشواهد، دون تقديم القيمة المضافة في التخصص، فقط ليقال صاحب الشهادة الفلاني، لم نقدح أو ننتقص من الشواهد يوما ما (لكن الموجة العالمية تنحو نحو عدم الاكتراث بالشواهد بل بالمهارة والخبرة، هذا هو القرار الذي اتخذته شركات عالمية كgoogle Facebook IBMمؤخرا)، لكن نريد صناعة إبداعية يحترمها الجميع، كم نحس بالفخر حينما يحرز مبدعونا في المجالات العلمية والتقنية والأدبية على مراتب متقدمة، وكم نصاب بالأسى والحزن حينما نسمع عن محاصرة إبداعهم وأفكارهم مما يضطرهم للهجرة بعيدا عن وطنهم الام، كالطائر المحبوس في قفص، ينتظر فقط فرصة سانحة للطيران في الفضاء الفسيح حيث يتمتع بالحرية المطلقة ويحلق عاليا.

إن ظاهرة هجرة الأدمغة هي ظاهرة تكاد تكون صحية في مجتمعات ترفض الإبداع بل وتتهم المبدع بالهرطقة لأنه خالف العامة، في مجتمعات حقودة ،يرتفع فيها الحسد ليبلغ أعلى الدرجات كان لزاما أن يرحل المخترعون والمبدعون، لأنهم مختلفون عن العامة.

استغربت ذات مرة حينما سمعت قصة الفزيائي الشهير نيكولا تسلا (للإشارة فأنا من عشاق البحث في سير اللامعين والناجحين في شتى المجالات العلمية والسياسية والفنية…)
كان تسلا مساعدا لتوماس إيديسون، وحينما توصل لنتيجة مخالفة لأبحاثه وتفوق عليه، رفض الأخير أن يدعمه بل طرده وحرض عليه الجميع كي لا يجد مأوى علمي لأفكاره التي يسميها البعض الفيزياء المحرمة على الشعوب، كيف لا وهو كان ينظر طيلة حياته لكهرباء مجانية تستفيد منها شعوب الأرض كلها دون استثناء، لكن لوبيات علمية وسياسية أرادت غير ذلك، ولم يتحقق حلم المخترع العظيم نيكولا تسلا.

ولهذا قال الأخير في إحدى مقولاته الخالدة إن طاقة الحقد لو استغلت لأضاءت الكوكب الأرضي كله، صدق والله، إن طاقة الحقد تحرم الإنسان من السعادة والهناء، وتجعل حياته ضنكا وشقاء، أما طاقة الحب هي طاقة حرة free energy تسبح في الوجود، تنشر السلام، ألم يقل سيدنا المسيح عليه السلام” أحب اعداءك” أحببهم، دعهم يموتون في غيضهم وكراهيتهم. وليتذكروا أن الطبيعة لن تعترف بهم، فهم كائنات لم تتكيف أعضاءها وتقصى وفقا آلية الإنتخاب الطبيعي الداروينية.

أما  البقاء في هذا العصر التقني هو للكائنات البشرية التي تتطور باستمرار، تؤمن بأن المهارة لا تكتسب بالتعليم النظامي فقط بل بالتدريب المستمر، بالاحتكاك بالمبدعين باللامعين عسى نصيبنا العدوى ونصبح مثلهم، وعسى نساهم في دورة الحياة العلمية (هي دورة حضارية بامتياز حيث تتصارع الحضارات حول امتلاك العلم والمعرفة في دورة تبرز كل مرة حضارة مختلفة والآن تسيطر عليها الحضارة الغربية) هي الآن بأيديهم ومن يدري تصبح يوما ما ملكا لنا، نصبح علماء نرث الأرض كما أوصى رب الأرض والسماء، نصلح ما أفسدناه، ندرس ما جهلناه.
إن البقاء حتما للأصلح لمن ينفع الناس، أما الزبد فيذهب جفاءا وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق