علوم وصحة

صناعة الوعي البشري

في الماضي، اعتبر العقل شيئًا غير مادي. حتى أن فيلسوف القرن الـ 17 رينيه ديكارت اعتقد أنه منفصل عن الدماغ، إنما يتفاعل معه بطريقة ما. وأرسطو قبل زمن طويل اعتقد أنه يتفاعل مع القلب. لكن معظم علماء الأعصاب يعتقدون أن كل نواحي العقل بما فيه الوعي البشري يمكن تفسيرها بطريقة أكثر مادية باعتبارها سلوك مجاميع كبيرة من الخلايا العصبية المتفاعلة مع بعضها.

إن الكيفية التي تجري بها ترجمة العمليات الدماغية إلى وعي واحدة من أعظم المسائل غير المحلولة في العلم. يجد العلماء نظيرا عصبونيا لكل خبرة ذاتية يمتلكها الفرد، لكننا سنكون مضللين لو اعتقدنا أن مشكلة الوعي قد حلت. فتنشيط مجاميع كبيرة من النورونات بشكل متزامن يحتاج لاتصال معقد، وهذا الاتصال عبر كود عصبي يجب علينا فك تكويده أولا. هناك مشاريع عملاقة أطلقت لذلك، منها مشروع “دراسات الدماغ” الذي أطلقته إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.
إن الوعي بالذات هو نتاج تطوري له العديد من الوظائف البيولوجية، كالسيطرة على الجسم، وأكثر عمقا الأشكال اللاواعية للتمثيل الذاتي. الجهاز المناعي الذي طورته الكائنات البيولوجية مثال واضح. مليون مرة يوميا تحدد أجهزتنا المناعية: هذا أنا، هذا ليس أنا. خطأ واحد قد يعني الموت. إذا الوعي يصبح هنا هو الحياة نفسها!

ما هو الوعي البشري ؟

إحدى الفرضيات المقبولة هي “تكاملية المعلومات”. حيث يمكن إيجاد الوعي في كل حيز غني بالمعلومات وقادر على معالجتها ذاتيًا، سواء كان دماغًا أو حاسوبًا. ويكون النظام واعيًا في حال امتلك: غنى معلوماتيًا، وقدرة ذاتية على معالجة المعلومات على نحو تكاملي.
ويدفعنا هذا لطرح التساؤل التالي: ما الفارق بين الدماغ البشري والحاسب الالكتروني؟
والإجابة أن الوعي يتأثر بإزالة الأجزاء لأن الدماغ البشري معلوماته تكاملية للغاية. فهناك مليارات الوصلات العصبية التي تربط وحدات المعلومات ببعضها، وهذا معنى التكامل المعلوماتي.
دعنا نأخذ مثالًا:
‏الطفلة “كاميرون” تمتلك حسًا فكاهيا عاليًا، لكنها تصاب بنوبات مرضية مفاجئة تطرحها أرضًا. وتم تشخيصها بمتلازمة راسموسن الدماغية، وهو التهاب يهاجم الدماغ يسبب الشلل وفي النهاية الموت. ثم خضعت كاميرون لعملية جراحية صعبة لاستئصال الجزء المصاب من دماغها. واستئصل نصف دماغها تقريبًا.
النتيجة: هي بعض التأثيرات البسيطة على القدرات الحركية فيما لم تتأثر القدرات الإدراكية على ما يبدو.
إن العلماء اليوم يعملون على تطوير التقنيات ومزاوجة البيولوجيا بالتكنولوجيا، وهذا يتوازن مع التحول الذي سنكون عليه. حيث يسعى البشر للوصول إلى حالة التفرد (اتحاد العقل البشري والحاسوب، ومزج الذكاء البيولوجي بذلك الصناعي).
ويشار إلى أنه يتم العمل على تطوير الإنسان الآلي (الروبوت)، وابتكار وسائل تقنية تتفاعل مع أفكارنا، وخلق عوالم افتراضية.
كيف للواقع الافتراضي وحالة التفرد توسيع تجاربنا الحسية وآفاقنا الواعية؟
عبر تحميل ذواتنا في تلك العوالم. فالذات ليست وجودًا ماديًا، بل إنها تطورت كنظام مفيد بيولوجيًا لمطابقة التصورات الحسية على السلوك الحركي بطريقة ذات مغزى.
إن الفيلسوف الألماني ميتزنجر يستبعد إمكانية تحميل “ذواتنا” في أبعاد أخرى، وتبدو حجته مقنعة: “ما الذي سيتم تحميله بالتحديد؟ غرائزنا، ذكرياتنا البغيضة، مشاعرنا الحسية؟ وإن كنا وجودًا متجردًا عما أسلفنا فهل سنكون موجودين أساسًا؟ من نحن إن لم نكن ذكرياتنا ومشاعرنا وغرائزنا؟ لكن هناك سؤال أبعد أطرحه: إذا كانت بعض التجارب أثبتت نجاحها في تحميل جزئي للوعي، وامتداد الوعي البشري فما الذي يجعلنا نستبعد أن يكون عالمنا محيطنا بما فيه نحن، مجرد محاكاة افتراضية؟ يبقى ذلك الاحتمال قائمًا.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق