مدونات

صناعة الدّاهية و صناعة الطاغية، رواية حَبَوْكَر للكاتب الكردي ريدي ميشو

رواية ” حَبَوْكَر ” للكاتب الكردي ريدي ميشو، روايته البكر التي سلخ أزيد من ثلاث سنوات في كتابتها و إخراجها للعلن .

كان واضحا من بداية القراءة أنها خضعت لتنقيح عدة مرات، بعد العنوان الذي يجذب لا محالة   كلّ قارئ فضولي، هي تلك الملاحظة المستهلة للنّصّ و المرتبطة بالعنوان؛ ” الحَبَوْكَر : رملٌ يضلّ فيه السّالك و الدّاهية”.

إذن؛ هل ستكون مزيجا بين الصوفية و السياسة؟ أم رحلة في رواية الصحراء؟ أم رحلة في الزمن و دهاليز الذاكرة؟

رجّحتُ الاحتمال الثالث عندما لاح عنوان أول فصل من فصول الرواية: ” الحاضر مبعثرا في الأمس” ، لكن بالنسبة لقارئ لا يحب أن يمنح مديحا مجانيا لنصّ، يصبح التّوقّف عند كلّ عبارة و تفصيلٍ جزئي أمرا مطلوبا و طبيعيا و طرحُ الأسئلة متعة، و هو لا يعكس بالضرورة مهارة القارئ التحليلية بقدر ما يعكس مهارة الكاتب التحفيزية و دهاءه في الكتابة.

أعتقد أنه يقول بساطة: “أنت السالكُ و أنا الداهية، و لكن كلانا متورّطان هنا، أنا فيما كتبت و أنت فيما تقرأ، أنت في حاضر النص و أنا في ماضيه” ، إّ هذا النص بالذات من أكثر النصوص التي زادت قناعاتي بأنّ نظرية موت المؤلف كانت ستهدم لا محالة، نصٌّ بعيد عن التسلية و عن الابتذال و السطحية.

إن لم تكن تتقن الصّبر و تستمتع باللغة المتينة فلن تقوى على الصمود، لأنه ببساطة يشبه الرمال المتحركة، يبتلعك كلما تحرّكت و اضطربت في قراءته، فاهدأ لعلّك تصل.

” لا يمكن الانسلال إلى روح الأشياء ما لم تُفقِدها حدودَها و تُفقِدْكَ حدودَك، فتصبح منك و أنت منها”[1].

تُلقي السياسة بظلالها على الخبز اليوم يومن هنا تبدأ لعبة السالك و الداهية، “جكو” الحاضر في ماضيه بشتات أوائل العمر، يجمع شتات الذكريات فتصبح حياته كلوحة فسيفسائية لا بد لمن يريد فهمها أن يبتعد قليلا.

تقنية السرد في هذا الجزء من الرواية تجاوزت حدود الوصف المُثقِل لحركة السرد إلى حدود الحركة المتواترة دون توقّف في الذاكرة.

ثنائية السالك و الداهية تتحوّل تدريجيا لتصبح ثنائية (جكو و راكان ) ، اللذة و الألم .تصرّ كتابات كثيرة على أن محاولة فهم العالم لابدّ أن تمرّ من طور الطفولة أوّلا.

كيف نتحوّل إلى طغاة؟

عندما يصبح الألم مصدر ربح، و يصاغ على أنه مفهوم حضاري ، تزداد اللعبة شعبية ما دام ما يحفّز على بقائها مستمرّا، و هو الثّأر، فرغبة الثأر هي التي تحرّك اللاعبين في محاولة لإظهار الشجاعة.

الأنا الذي يشغّل حيّزه على طريقته، بما يتيسّر له ، حتى لو كان لعبة طوب، و الذي يتطلّع إلى الآخر بفضول، منبهرا بالأضواء على الحدود ، مدركا حقيقة أنه هو الواقف في الظلام ، عبارات كثيرة على بساطتها تحمل  في ثناياها صورة الأنا و الآخر في هذه الرواية ، مثل : ” ندوب ألعابهما وصلت معظم أنحاء أوروبا، فليس في المدينة منتجات يمكن تصدريها إلى أوربا سوى أجساد أهلها”.[2]

و كما العديد من الثنائيات تتجسّد ثنائية الأرض و السماء بقوّة في العالم بأبعاد و دلالات عديدة.

من أولى ملاحظاتي التي تبادلتها مع الكاتب في قراءتي للرواية ، أنها رواية قد تكون موجّهة لفئة معيّنة ، فليست لكل القرّاء، فالوعي متعب ، حيث إنها تنطوي على جانب كبير من الأفكار الفلسفية، و تدعو إلى التفكير العميق فيما يتلفّظ به السارد أو الشخصيات .

الرواية لا تباشر السياسة بسطحية بل تتعمّق ، و يمكن إيجاد صعوبة في صوغ أفكارها في البداية، تحضر أفكار نيتشيه و فلسفته، و عند إشارتي إلى هذه الملاحظة لم ينكر الكاتب ذلك بل أكّده و اعتبر أنه يشجّع على الوضوح ، فهو لا يحبّ و لا يشجّع على النسخ.

مزيج الفلسفة والتصوّف و السياسة ، و إن كانت إحدى شخصيات الرواية تقول أنها “لا تمارس تجارة السياسة بل سياسة التجارة” فإنّ ريدي ميشو لا يمارس أدب السياسة بل سياسة الأدب.

و مع أني لا أجزم أن ملاحظاتي دقيقة ، غير أني أرى أنه ليس نيتشيه وحده الحاضر في الرواية بفلسفته، بل وجدت غابرييل غارسيا ماركيز بجرأته حتى أني أعتقد أنه لو كان حيا ما كان فوّت فرصة الكتابة عن هذه الرواية.

كاتب يحترق و لكنه يكتب ببرودة أعصاب، وإتقان هذا البرود والتفكير كما لو أنك مخطّط استراتيجي هو أمر لا يتقنه كثيرون، و لكنّ الجيّد في الرواية أنها لا تترك الاحتمالات للنهاية ، بل منذ البداية كل شيء مفتوح على الكثير من الاحتمالات ، مع أن المتوقّع أنها لن تكون رواية جماهيرية ، بل فقط للمنتبهين للتفاصيل ، و يمكن – ربما – أن يحدث العكس و يظهر تأثيرها بعد ترجمتها ، فالقارئ الأجنبي بحكم الفضول قد يجد المتعة في السعي للنهاية.

في كثير من المقاطع يبدو أن اللغة التي فكّر بها الكاتب غير اللغة التي صاغ بها ، و مع أن هذا قد يشكّل عائقا أو أسلوبا غير مريح للقارئ الذي يعنى كثيرا بجمال اللغة و ازدحام الصور البيانية إلا أنه هنا هو الجوهر، حيث إن الرواية الفلسفية و النفسية لا تبالي بجمالية اللغة بل تستمد جمالها من تعقيداتها.

و هذا  لا يعني أن اللغة مبتذلة أو سيئة، بالعكس التعقيدات مريحة و محفّزة أكثر على تحدّي النص لكشف لذّته، ” راكان، جكو، أرنينا ” لعبة الصياد و الطريدة، المتعة و الألم، توقفك عبارة أخّاذة:” لا يمكن عبور خلوة الذكريات دون أن تنهشك كلابها الجائعة “، كمشهد العيون في الذاكرة ، العيون و هي تلتهم الذكريات .

الخلاصة أن حبوكر دعوة لالتهام الماضي تاريخًا و فكرًا و معتقدات ، من أجل فهم أنفسنا و الرسّو في الحاضر للإقلاع مجددًا نحو المستقبل بعيون يقظة.

[1]  ريدي ميشو ، حَبوْكَر، دار موزاييك، إسطنبول/ تركيا، ط 1، 2020م، ص 10

[2]  ريدي ميشو، حبوكر، ص 16

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

آمنة عيساوي

أستاذة لغة عربية عاشقة للكتب طالبة دكتوراه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى