سياسة وتاريخ

“صلاح نصر”.. حقيقة أم خرافة؟

عندما يجيء ذكر اسم السيد صلاح نصر رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية أيام الرئيس جمال عبد الناصر، فإن معظمنا يقفز إلى ذهنه التعذيب والتجنيد للفنانات والفنانين والمراقبات بكافة أشكالها، ونتذكر مع كل هذا الكتاب المشهور “اعتماد خورشيد شاهدة على انحرافات صلاح نصر”.

وبالرغم من أن الموضوع شائك؛ لأنك من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن تصل فيه إلى الحقيقة بسهولة؛ لقلة المصادر الموثوق بها في هذا الموضوع تارة، ومن جهة أخرى التناقض والتباين في المصادر، إلا أن الجديد الذي أود أن أقوله في هذا الموضوع هو أنني من خلال قراءتي لأحد الكتب الهامة له، وهو كتاب “صلاح نصر- الثورة- المخابرات- النكسة” للأستاذ عبد الله إمام، والذي تحدث فيه السيد صلاح نصر عن تلك الموضوعات الثلاثة، وأهمها موضوع المخابرات، ستكتشف أنه كانت لديه رؤية منهجية علمية في مجال عمل المخابرات، وأنه لم يكن يعمل بشكل عشوائي، وهذا يتضح جلياً بشكل خاص في هذا الكتاب إن لم يكن في كتب صلاح نصر عامةً.

وستندهش أنك أمام عقلية مخابراتية من نوع خاص، وليس كما صور ويصور لنا الإعلام وبعض الرموز التي لها ثأر مع صلاح نصر، ولست هنا لأكون واحداً ممن يدافعون عنه، وعن التجاوزات التي وإن حدثت فلا يسأل عليها وحده بل المنظومة السياسية بأكملها.

ففي كتاب “صلاح نصر- الثورة- المخابرات- النكسة” وفي رده على سؤال حول إعادة تنظيمه لجهاز المخابرات المصري وتدعيمه وكيف تم ذلك؟ (ولمن لا يعرف قبل أن نسرد إجابته، فإن جهاز المخابرات العامة المصرية غير جهاز المخابرات الحربية، فلكلٍ مجاله واختصاصه وإدارته المستقلة، والجهاز الذي كان يرأسه صلاح نصر هو الجهاز الأول).

أجاب صلاح نصر بقوله: “في البداية لا بد من تحديد الهدف، كان الهدف أمامي واضحاً أننا نواجه عدواً شرساً هو إسرائيل، وقرأت كثيراً، كثيراً جداً عن إسرائيل ومؤسساتها السياسية وأجهزة مخابراتها، وتاريخها، وكان هذا مؤشراً لي على الأخطبوط الذي تمتد فروعه في قلب الأمة العربية، ولذا كان همي الأول أن أقوم ببناء جهاز مخابرات يقوم على أسس علمية ويستطيع أن يواجه المخابرات الإسرائيلية بقدرتها الرهيبة، وكان هذا يتطلب تكاليف باهظة، في المال والخبرة والرجال والمعدات، في وقت لم يكن كل هذا متوافراً، وكانت أم المشاكل هنا هي الخبرة، فالأفراد والمعدات والمال يمكن تدبيرة، ولكن توفير العنصر البشري الكفء المدرب هي المشكلة”.

ويضيف بعد ذلك جزءً هامًا حيث يقول:

“كنت أخشى أن أرسل بعثات إلى الخارج بأعداد ضخمة؛ فقد قرأت في بعض الكتب أن أجهزة المخابرات تعد المركز الأول لتغلغل الأجهزة الأجنبية، لذا قررت أن يقتصر إرسال رجال المخابرات على كبار الشخصيات بالجهاز وبأعداد قليلة، اثنان أو ثلاثة؛ لينقلوا الخبرات ثم يعودوا فيلقنونها لرجالنا داخل الجهاز”.

كما أنه من كلامه أيضاً قد أدرك أهمية التكنولوجيا في مجال المخابرات، وإدراكه أيضاً لأهمية عامل الوقت في مجال عمل المخابرات، كما يتضح من إجابته أنه أدخل النظام المؤسسي إلى طبيعة عمل جهاز المخابرات العامة.

أما عن النقطة الهامة التي يهتم بها الكثيرون ممن يقرأون عن صلاح نصر وليس له، ألا وهي الجنس، ففي إجابة عن سؤال ما هي الأسباب التي دعت إلى استخدام الجنس في المخابرات، فيرد صلاح نصر:

“الواقع أن استخدام الجنس بمعنى استخدام المرأة وتأثيراتها العاطفية على الرجل، ليست بمستحدثة في أعمال المخابرات والتجسس منذ القدم في جميع أنحاء العالم، وفي التاريخ المعاصر، هناك قصة بطلتها “لويز كورباللي” عميلة لويس الرابع عشر ملك فرنسا وعشيقة شارل الثاني ملك إنجلترا”.

ويضيف بعد ذلك بعد أن ذكر واقعة ضابط المخابرات البريطاني أثناء الحرب العالمية لورنس العرب و مرجريت داندريان، فيقول نصر:

“إذن استخدام الجنس قاعدة معروفة في المخابرات، ولكنه سلاح ذو حدين، فقد ينقلب ضد من يستخدمونه إذا لم يحسن استخدامه”

ويضيف بعد ذلك: “كان هذا من بين أسباب إحجامنا عن استخدام النساء في بادئ الأمر، لكن ظروف الأمن أجبرتنا على ذلك”.

وعن سؤال عن أن ذلك يتعارض مع الأخلاق قال: “فمعيار الأخلاق هنا هو الغرض من وراء هذا العمل، ولا أعتقد أن حماية كيان الدولة ليس أسمى غرض تقوم به المخابرات”.

وعن استخدام الفنانات أجاب: “عدد محدود لا يكاد يعد على أصابع اليد”.

وكان في رأيه أنه كان يتم تصويرهن من أجل السيطرة، وحتى يضمن عدم الانقلاب على من تعمل معه، وأن التصوير قد يكون من أجل الطرف الآخر أي العميل الأجنبي، وأنه لم يتم استخدام هذا الأمر للتهديد لأنهن سرن في الطريق السوي ولم تخن واحدة منهن الأمانة، وأوضح أن هناك قصصًا خيالية في هذا الشأن، وأن استخدام المرأة كان محدوداً جداً، وعندما تدعو الضرورة القصوى، ولم تكن عمليات كثيرة كما يعتقد البعض.

وللحقيقة إنني حينما أقرأ هذا الرد له، أشعر أن الأمور ليست كما يصورها البعض في كتبه ومقالاته، فلو كان الأمر كما يصوره البعض، لما استمر نصر رئيساً لجهاز المخابرات العامة المصرية طيلة العشر سنوات التي قضاها في رئاسة الجهاز.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى