سياسة وتاريخ

صفقة القرن: الرأي والرأي الآخر

تضاعفت جهود الدولة الأمريكية في التخلي عن مشروع القضية الفلسطينية بعد تولي رئيس الدولة باراك أوباما، الذي كان ممثلاً لسياسات الإدارة الأمريكية تِجاه القضية الفلسطينية، وكان من أبرز المؤيدين للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ومن ثم جاء مجدداً الرئيس التالي دونالد ترامب الذي تولى رئاسة البيت الأبيض مجدداً؛ ليعزز مفهوم الصراع مرة أخرى.

لقد كان هدفه القضاء على أحلام الفلسطينيين، وكأول عمل له ليعزز مكانته وليفرض سيطرته على دول الشرق الأوسط، أعلن بأن القدس عاصمة إسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى مدينة القدس في ديسمبر 2017، وهذا كان من أبرز المهام التي اتخذها في بداية مشواره للرئاسة الأمريكية؛ بأن أعطى رؤية واضحة للفلسطينيين بأن الشعب اليهودي له السيادة وله الحق في امتلاك جزء كبير من الأراضي الفلسطينية، حتى جاء مستشاره كوشنير الذي يلقبه بالطفل المدلل ولقن العالم العربي درسا لم ينسه أحد!

نشر بأنه سيعلن عن مؤتمر دولي في البحرين (مؤتمر المنامة)، واتفق جاريد كوشنير مع عدد كبير من زعماء العرب على تشكيل تسوية سياسية اقتصادية لتحسين وضع القضية الفلسطينية من الناحية الاقتصادية؛ بضخ عدد كبير من المشاريع في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتوفير عدد كبير من فرص العمل تقدر ب 50 مليار دولار أمريكي، 28 مليار لإنشاء مشاريع اقتصادية في فلسطين، والباقي لتطوير مشاريع في الأردن ومصر.

تم التوافق من قبل زعماء دول الوطن العربي على عرض كوشنير الاقتصادي الذي بوجهة نظرهم سيحل مشكلة قضية الفلسطينيين، وسيعالج مشكلة العجز الاقتصادي الذي أرهق الدولة الفلسطينية مثل الدور الاقتصادي، وبعد فترة مثل الدور السياسي بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليأتي لنا بمسمى جديد “صفقة القرن”؛ الذي حول مجريات الأحداث للأسوأ بعد الاعتراف الرسمي من قبل الإدارة الأمريكية بالدولة الاسرائيلية كاملة السيادة، وبعد تقديمه هضبة الجولان، استخدم ترامب كافة الوسائل العقابية لتركيع القيادة الفلسطينية، والرضوخ لكافة القرارات التي تصب بالمصلحة الإسرائيلية.

ومن أهم هذه الوسائل التي تعرضت لها القيادة الفلسطينية؛ إغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وتجميد أكثر من 130 مليون دولار من مخصصات اللاجئين، ووقف كافة المساعدات الأمريكية التي كانت تساهم في تطوير مشاريع فلسطينية، كما أوقف كافة الدعم المالي لصندوق السلطة الفلسطينية الذي كان يقدر ب 250 مليون دولار بذريعة تمويل أهالي الشهداء والأسرى.

الرئيس ترامب كان يعمل من أجل السلام، ولكن هذا السلام كان سيهضم حق الفلسطينيين، ثم أعلن ترامب خطة السلام والذي كانت بمثابة توفير كامل السيادة للدولة الإسرائيلية، مع رفض تام للشعب الفلسطيني، وما زالت الإدارة الأمريكية تخطط من أجل إنهاء قضية الشعب الفلسطيني.

بالإضافة للرضوخ الواضح من زعماء الدول العربية، كثير من الدول العربية في عدة مؤتمرات توهمت من صفقة القرن ولكن بدون جدوى، وكلٌ ينام على وسادة مصالحه الشخصية ومصالح دولته التي تجلب له الحماية الكاملة سواء الاقتصادية أو السياسية.

قبل أكثر من 50 عاماً وجد كائن حي غريب كان يعرف بعقرب العرب وهي جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل؛ التي شهدت لها السيادة الإسرائيلية بأنها أكثر امرأة على وجه الأرض تحلم بزوال العقبة “فلسطين”.

جولدا مائير التي كانت تحلم بأن لا يوجد شيء اسمه شاب فلسطيني أو طفل فلسطيني؛ خوفاً من قوة فكرهم الذي سينهضون به، وكانت من ضمن العقول المفكرة لدى إسرائيل، وقبل وفاتها قالت جملة أزعجت كل ذهن فلسطيني: “نحن نفكر بالقرار من قبل عدة أعوام لتنفيذه”.

رسمت لنا صفقة القرن على شكل جزء لا يعرف بدايته من نهايته، وأنا أقصد بهذا الحديث أن هذه الصفقة لا توجد بداية ولا نهاية لها، وبعد أن رسمت لنا صفقة القرن جلست على بعض معايير وأسس بدايتها كان انقسامنا الفلسطيني الذي ما زال مدفونًا في كل قلب فلسطيني، وما زال يأكل من لحم شبابنا وأطفالنا.

ستكون صفقة القرن مقسمة لقسمين؛ جزء يذهب لنتنياهو لمعالجة حركته الانتخابية من قبل اللوبي الصهيوني ولتحقيق الحصانة التي سترشحه مجدداً للرئاسة، وجزء يذهب لدونالد ترامب لمعالجة تصحيحه الانتخابي بالانتخابات الأمريكية القادمة، وكلاهما يقع في وكسته الانتخابية.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس تصرف بحكمة أولاً بالتوجه لمجلس الأمن، فقد أكد على استمراره في محاربة قرارات ترامب والتصدي الكامل لكافة الممارسات الاسرائيلية التي تواصل الاستيلاء شيئاً فشيئاً على الأراضي الفلسطينية بعد الاعلان عن ضم الأغوار وضم منطقة “ج”.

لم يتبقى لدونالد ترامب أي وسائل ضغط على الفلسطينيين، حيث استنفذت كافة أدوات الضغوطات الدبلوماسية في مقابل صمود الشعب الفلسطيني أمام العتاد السياسي الأمريكي، ولا تزال القضية الفلسطينية متمسكة بالدعم العربي والدولي بالرغم من العجز الذي يواجهونه من العالم الدولي والإدارة الأمريكية وإدارة ترامب بشكل خاص.

جاريد كوشنير الذي أعلن عن كتاب مكون من 181 صفحة وكأن لسان حاله يقول ما فيه تقسيم لدولة فلسطين، علما بأن قرار (181) يعنى حق قرار تقسيم فلسطين الذي أصدره الجمعية العامة للأمم المتحدة، الكتاب الذي أصدره يتحدث عن الهيمنة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، وتحدث أيضًا عن الاستغلال الكامل لقواعد السلام وحل الدولتين.

كل الأنظار تتجه إلى ما بعد إجراء الانتخابات الإسرائيلية، هل سنشاهد تطورات جذرية على صعيد القضية الفلسطينية؟ أم ستكون الانتخابات الإسرائيلية هي المفصل وكل التوقعات تتجه إلى استلام نتنياهو للحصانة وهذا سيعزز من موقفه الانتخابي؟

النتائج: لابد من وجود حل سياسي بين الدولتين، ونحن كفلسطينيين مع قرار السلام العادل، ومع سياسة حل الدولتين ولكن ضمن حدود الشرعية الدولية التي ستمنح الحق الفلسطيني، فإسرائيل ما تزال متمسكة بلقب الدولة الواحدة وهذا ينتهك قرارات الشرعية الدولية.

القضية الفلسطينية تحتاج إلى شعوب عربية تستنهض بفكرها العربي وتكون مساندة للقضية الفلسطينية العادلة، ولا نريد تطبيع وجوهر فارغ، وعلى الإدارة الأمريكية الالتزام بالقرارات الدولية وقرارات مجلس الأمن والالتزام بالمعاهدات الدولية التي تضمن شرعية وجود الدولة الفلسطينية، وإنهاء التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وبين الإسرائيليون وبشكل كامل.

على العموم ليس لدينا أي شيء نخسره أمام دولتنا الفلسطينية، لذلك مثل هذه القرارات والإعلانات لم تهزم ولن تيئِس الشعب الفلسطيني الذي تعود مراراً وتكراراً على خلق المعجزات، ولكن من العيب أن نشاهد دول العالم العربي يشاهدوننا ولا يفعلون أي شيء أمام هذا الطاغية.

خلاف الفصائل الفلسطينية التي أصبحت ليس لها طعم، وطمست كل معاني الحب والأخوة، وطمست كل معاني الحرية، وأصبحت مطالبنا متدنية ولا تذكر في مذكرة حقوق الإنسان، أغرقتنا الشعوب العربية بأموالها حتى نصمت ونغلق أعيننا عن الحقيقة كي نتفادى غضبهم وغضب الكيان وصدق المثل الذي قال (إن لكل امرئ في هذا العالم سعره الذي يمكن شراؤه به).

تشعبت بنا السبل والاتجاه واحد، ولا نرى أي مساند ومساهم لحل هذه القضية العريضة التي أصبحت ثقلاً على قلوب العرب، والذي تركت أثار عقيمة للقضية الفلسطينية.

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه، ما هو موقف السلطة الفلسطينية وفصائل منظمة التحرير وباقي الفصائل الفلسطينية من صفقة القرن الأمريكية الاسرائيلية؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى