سياسة وتاريخ

“صفقة القرن”.. أداة تهيئة نفسية للخداع

لم يختلف تفاجؤ العرب المشاهدين والمستمعين والحاضرين والمساهمين بطرح خطة السلام في الشرق الأوسط المسماة “صفقة القرن”، عن تفاجؤ رئيس الوزراء بمطالب شعبٍ ما عشية الإعلان عن رفع الأسعار، القرار مطبوخ في مقر رئاسته، يعلم به وأسهم فيه بما جادت به نفسه ثم حين صدر، تفاجأ!

في العام المنصرم، طُرحت صفقة القرن أمام الملأ، فما كان إلا التوجس والترقب، ثم لما طال أمد انتظارها بفضل مسرحية الديمقراطية الإسرائيلية الرامية لإعادة انتخاب نتنياهو على كل حال، غدا لسان الحال أن متى سيتم الأمر لننتهي منه.

يحكى في المرويات الشعبية أن رجلًا ضاق ذرعًا بإلحاح زوجته عليه في توسعة الدار، فخطرت له خطة ذكية خبيثة بأن يجعل الغرفة ذاتها تبدو أكبر دون تغيير، فعمد إلى إدخال بقرة الدار للغرفة بذريعة برد الطقس الذي قد يأتي عليها، وهكذا غدا سكان الغرفة رجلا وامرأة وبقرة، ثم بعد مضي يومين، أدخل قن الدجاج للغرفة متعذرًا بالذريعة ذاتها.

مضت أيامٌ أخر قبل أن يضم نعجتين ومثلها قبل أن يضم قفصًا للأرانب، غصت الغرفة بسكانها وضاقت بهم فلم يسع زوجته التحرك دون أن تتعثر بدابة من هنا أو هناك، مكثت أشهر الشتاء على هذا الحال، وكلما شكت هبّ يذكرها زوجها بالبرد القارص ويحذرها مغبة التخلي عن الحيوانات والإلقاء بها في العراء، إذ سينتهي بهم المطاف وقد ماتوا جوعاً، فرضيت الزوجة بالأمر الواقع.

بعد أن كفّت عن الشكوى، واعتادت الأمر بداعي الضرورة، عمد الزوج لإفراغ الغرفة من ساكنيها، بدأ بالأصغر فالأكبر، وكلما أخرج بعضًا منها وجد في زوجته شكر الرب على نعمة الدعة والسعة، وكان أن أخرج البقرة، فهبت زوجته ليديه تقبلها شكرًا وعرفانًا.

الغرفة ذاتها لم يتغير فيها شيئ، ولكنها ظنّت أن ما حل بها نعمة ينبغي أن تكون في سبيلها من الشاكرين.

لا يختلف الحال كثيرًا بالنسبة لـ “صفقة القرن”، فوضعت بنود كثيرة توجس أصحاب العلاقة منها، ثم انتهى المطاف ببند واحدٍ جامعٍ شاملٍ، وهو الإرهاب!

“الفلسطينيون أخطأوا عام 1948 عندما لجأوا للإرهاب بدلًا من الاعتراف بسيادة إسرائيل، حماس والجهاد الإسلامي هم المشكلة، أما الشباب الفلسطيني فنريد بهم كل خير”.

الفحوى واحدة، عندما يأتي من يغتصب حرمًا لديك، كل ما عليك هو أن ترحب به وتوفر له ظروف اغتصاب تجعل منه استباحة بالتراضي.

سيناء والتهجير ودولة كونفدرالية ونزع سلاح، وكل ما انتهى إليه الأمر للإرهاب؛ فبعد أن أدخل سكان  جدد لذات الغرفة، حصر الأمر بالتهيئة النفسية لذات الوضع القائم، ويجب أن تكون من الشاكرين كتلك الزوجة المغلوبة على أمرها.

ما هذا الذل!

في يوم عرفة، قبيل عيد يضحى به، ضحت الولايات المتحدة برئيس دولة عربية لها وزنها على مذبح الديمقراطية، على مرأى ومسمع من شعوب وحكام، وبصرف النظر عن توجهات صدام، هو رأس دولة خلع بيد خارجية وبوضع اليد دون اتخاذ رد فعل عربي يذكر.

ضحك الحاضرون في مؤتمر القمة -الذي لو استثمرت تكلفته في مزرعة دجاج لكان خيرًا لشعوب تمثلها في أداء مسرحي عبثي-، فأجابهم القذافي بألا شيء مضحك لأنهم سيلحقون به لا محالة، وقد فعل.

لا سيادة في العالم العربي، فدوله مستعمرة بالوكالة، وكلاؤها من نؤدي لهم فروض الطاعة كل يوم، موظفون بأجرة، ورب العمل طرح صفقة القرن، فما بال رئيس الوزراء متفاجئًا؟!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق