ثقافة وفنون

صعود “الرواية العربية” نحو العالمية عبر التاريخ

في إطار الحديث عن الصعود المفاجئ للأدب العربي والرواية العربية، من خلال ما عرفته الساحة الأدبية العربية من روايات عديدة شرقية ومغربية، تناولت معظم القضايا التي كانت تعيش تحتها هذه المجتمعات، لكن هذه البداية وما تلاها من صعود، ركز أساساً على السير الذاتية للكتاب والمؤلفين، سواء الذين كان سردهم بطريقةٍ مباشرةٍ علن حياتهم وما يتعلق بها، في حين أن العديد من الكتاب تقمصوا دور شخصيات أخرى في سبيل كتابة رواية بصيغة السيرة الذاتية.

وقد تميزت الرواية العربية بالهواية، ولم تكن رواية كاملة الأوصاف، شخصياتها وأحداثها تتداخل لتشكل ما كان يطمح إليه القارئ العربي، الطامح إلى اكتشاف هذا العالم الأدبي الجديد، لكن هذه الولادة العسيرة وما رافقها من تطورٍ نوعي، لم يستطع مواكبة مجريات الأدب العالمي.

الرواية العربية والاستعمار

عاشت الرواية العربية منعرجًا خطيرًا جدًا، ولم تواكب الطريق الذي رُسم لها بعد الولادة من أجل الوصول إلى العالمية؛ وذلك بسبب الأحداث الكبرى التي هزت العالم العربي، من دخول الاستعمار الأوروبي، وتحول اهتمام الأدباء العرب من نثر الكتابة إلى سلاح المقاومة، وما بقي منهم تعرضوا إلى العديد من المضايقات والاعتقالات.

وحدث هذا أثناء الحرب العالمية الأولى والغزو الإمبريالي، فساد بذلك نوعٌ من التشويش على الأدباء والكتاب، وتوقف بعضهم عن الكتابة، فيما جمّد البعض الآخر كل الأفكار والمحاولات، وعاش نوع آخر حالة من البعد عن القواعد الفنية التي تميز العمل الروائي، ثم ظهور ما سمي بالاقتباس من الأعمال الأدبية الغربية، وغيرها التي كانت قد ترجمت إلى اللغة العربية من قبل.

صعود الرواية العربية

وأمام هذا الضغط وكل الصعوبات، ظهرت رواية زينب سنة (1914م) للكاتب المصري محمد حسين هيكل، حيث أن جل النقاد العرب أجمعوا على كون هذه الرواية التي أثارت جدلًا واسعًا، هي بداية الرواية العربية الفنيّة، كرواية تحترم شروط الكتابة الروائية كما في العالم الغربي، حيث تناول فيها الكاتب موضوعًا هامًا بصيغة المؤنث في مجتمعٍ عربيٍ إسلاميٍ محافظ، احترم فيها البنية الفنية للرواية الغربية التي كانت في أوج ازدهارها آنذاك.

رواية زينب عُدّت روايةً كاملة الأوصاف، عالجت واقع الريف المصري خلال فترة هامة من حياة المصريين، هذا الموضوع لم تألفه الكتابة الروائية العربية قبل ذلك، وكان موضوعًا جديدًا تناوله القارئ العربي بشراهة ولهفة، ومن هنا بدأ زمن صعود الرواية العربية ذات البعد الفني والأسلوب الرصين، وبدأت تحاكي ما كتب في الغرب من روايات.

صعود الرواية العربية نحو العالمية

مع بداية الثلاثينيات من القرن العشرين، بدأت الرواية العربية تشق طريقها نحو العالمية، وتغيرت بعض مواضيعها التي كانت أغلبها كما قلنا في السابق عبارة عن سيرٍ ذاتية، ومن هنا بدأت هذه الرواية تتخذ منحنًا أكثر فنيةً وأعمق أصالةً، سواء فيما يتعلق بالموضوع أو الشخصيات، وحتى على مستوى اللغة وتوظيف الزمكان.

وهذه البداية كانت على يد نخبة من الكتاب ممن تأثروا بالثقافة الغربية، أمثال طه حسين، وتوفيق الحكيم، وعيسى عبيد، والمازني، ومحمود تيمور وغيرهم، وكان همهم الوحيد نقل هموم ومشاكل المجتمع العربي الغارق في ويلات الاضطهاد الإمبريالي الذي فرضه المستعمر.

الرواية العربية ما بعد الاستعمار الغربي

الرواية العربية خلال فترة ما بعد مرحلة الاستعمار الغربي، وخاصة خلال فترة الأربعينيات والخمسينيات، عرفت نبوغًا كبيرًا في الإبداع الروائي في الأدب العربي، ونقلةً جديدةً تركت أثرًا في نفوس القارىء العربي، ومن أبرز كتاب هذه المرحلة، نذكر على سبيل الذكر لا الحصر كل من عبد الحميد جودة السحار، ويوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس، كما برز بشكل كبير جدا الروائي المصري نجيب محفوظ، وعد الكاتب المصري الكبير سيد هذا الميدان، من خلال رواياته “خان الخليلي” و “زقاق المدق”، و “الثلاثية”، والتي كتبت برؤية جديدة أضافت إلى أجواء الرواية عوالم أرحب وأوسع.

وخلال فترة الستينيات حيث بروز الرواية العربية وخروجها من العالم العربي إلى عالم أوسع؛ بحثًا عن آفاق أرحب عبر مختلف بقاع العالم، وهنا بدأ الكاتب المعروف نجيب محفوظ يدخل منعطفًا بارزًا ومهمًا وبدأ كتاباته الروائية، من خلال ما عرفته رواياته من إبداع عالمي جديد، موظفًا تقنيات جديدة أكثر إبداعًا وأكثر تعقيدًا ورمزية، وقد ظهر ذلك من خلال رواياته التي عدت أحد أبرز أعماله الفنية ذات الصيت العالمي، كرواية “اللص والكلاب”، “السمان والخريف”، “الطريق”، “الشحاذ”، “ثرثرة فوق النيل”، مشكلةً بذلك معلمًا بارزًا في مسيرة الكاتب الروائية الجديدة؛ لما حملته من مضامين اجتماعية وسياسية وثقافية خلال هذه الفترة، كما برزت مضامين فكرية وإنسانية ونفسية احتاجت إلى شكلٍ روائيٍ أكثر فنية من مرحلته السابقة.

وعندما كانت الرواية العربية في ريعان شبابها، وبدأ التهافت على هذا النوع الجديد من الأدب، جاءت هزاتٌ أخرى كثيرة ضربت المجتمع العربي، وخاصة التي تعلقت بقضية فلسطين والصراع مع اسرائيل، من خلال نكبة 1948 وهزيمة عام 1967م، التي جعلت الروائي العربي يعيد النظر في الكتابة الروائية، وبات تجاوز النمط القديم ضرورةً ملحة، والبحث عن نمط كتابة جديد يتناسب والظروف التي يتخبط فيها المجتمع العربي بعد النكبة والنكسة، فظهرت العديد من الأنماطٌ الروائية الجديدة، فيها ثورة على الأساليب التقليدية، كالحبكة والبطل والسرد التاريخي.

وسنجد مرةً أخرى بروز الكاتب المصري نجيب محفوظ من جديد بالعديد من الأعمال الأدبية المميزة، ظهر بعد ذلك جيل آخر من الروائيين العرب، سُمِّي بالحداثيين، خرجوا على رؤية الرواية التقليدية وتقنياتها.

وعلى أيدي هؤلاء الكتاب مثل: صنع الله إبراهيم، وحنا مينا، وجمال الغيطاني، وإدوار الخراط، والطيب صالح، وبهاء طاهر، وإميل حبيبي، والطاهر وطّار، وعبدالرحمن منيف وغيرهم، ظهرت رؤية روائية تحمل اتجاهات معاصرة وحداثية مختلفة، من أهم سماتها أن الخطاب الروائي تجاوز المفاهيم التقليدية حول الرواية في عصورها الكلاسيكية والرومانسية والواقعية الجديدة.

الهوامش:

1- تكوين الرواية العربية (اللغة و رؤية العالم)، محمد كامل الخطيب، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1990م.

2- الرواية العربية: النشأة و التحول، محسن جاسم الموسوي، دار الآداب، بيروت، دون تاريخ.

3- الرواية العربية المعاصرة: بدايات و ملامح، محمد عزام، مجلة المعرفة، العدد 388، 1996م.

4- في الجهود الروائية (من سليم البستاني إلي نجيب محفوظ)، عبدالرحمن ياغي، دار الفارابي، بيروت، 1999م.

اقرأ أيضًا: الرواية العربية.. ولادة متعسرة من رحم الأدب

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق