سياسة وتاريخ

صراع العمالقة: الأصول التاريخية للعداء العسكري بين الهند والصين

لم تلبث أزمة الوباء العالمي أن خفت ضجيجها حينًا؛ رغم استمرار الأرقام بالتصاعد، حتى اشتدّ السّعار الغربي مرة أخرى إزاء الحجم الدولي الغير مقبول للجمهورية الصينيّة؛ أولاً: مشروع القانون الوطني في هونغ كونغ، والذي أفسدت المظاهرات الأمريكية الحشد الإعلامي “اللا أخلاقي” ضده، وثانياً: الصراع العسكري بين الهند والصين على سفوح جبال الهملايا في 16 يونيو الماضي، والذي قضى على إثره عشرون عسكريّاً هنديّاً في وادي جلوان بمنطقة لاداخ الوعرة. وعلى عكس قضية هونج كونج فإن التوتّر الحدودي بين أكبر كتلتين بشريّتيْن على الكوكب تمثّل أزمة حقيقيّة، ترجع في أصولها لأكثر من 70 عاماً، دون أن تلوح لها نهاية حتى اليوم.

فتسجل الإحصائيّات الدولية ما مقداره 400 نزاع حدودي بين الهند والصين في العام الواحد، ينزع فتيلها غالباً وفق القنوات الدبلوماسيّة، إلا أن الحادثة الأخيرة تمثّل استثناءاً مفاجئاً، وتجد القوى الغربية عبر هذه الجبال والوديان المعقّدة، أطول حدود غير مرسومة في العالم، متنفّساً استراتيجيّاً لها للسعي الحثيث نحو تحجيم الدولة الصينية، خصوصاً في هذه الظروف الدولية الجديدة.

وترتفع الأصوات الهندية الرسمية والبرلمانية في الدفع نحو لعب الهند لهذا الدور الغربي ضد العدو التاريخي، من أجل استرجاع الكبرياء القومي الذي حطمته الصين في حرب 1962، وهي جزء من الحماسة القومية الممسوخة بحنين للماضي الاستعماري والذي يشكل العقيدة السياسية للحزب الحاكم منذ 2014.

غير أن رئيس وزراء الهند وحاكمها المطلق منذ ستة سنوات ناريندرا مودي، الحازم والعدواني تجاه باكستان والنيبّال، والذي لا يتورّع عن إرهاب أكثر من مئة مليون مسلم هندي وتخويفهم بعصاباته، كان يعرف أن الخطابات القومية هي للاستهلاك الداخلي، أما الصين فهي شأن آخر.

ورغم أن الصراع العسكري بين الهند والصين يتجسد في شكل ادّعاءات جغرافيّة، إلا أن التناقض يرجع في حقيقته لأبعاد تاريخية-سياسية، ولا يمكن فهم الإصرار في الدفاع عن مناطق تحجبها عن الداخل الصيني صحاري ومفازات أطول من قطر القارة الأوروبية، دون فهم التاريخ الذي أدّى لمثل هذا الوضع القائم.

ولادة بكين: بداية الصراع العسكري بين الهند والصين

عامان فقط يفرقان بين استقلال الهند عام 1947، وتأسيس الجمهورية الصينية 1949، ولكن شتّان بين المساريْن، فقد كافحت الهند وناضلت ضد عدو واحد هو الاستعمار البريطاني الذي نالت منه استقلالها، لترث منه الحدود التي رسمها، أما الجمهورية الصينية فقد تأسست نتيجة الظّفر العسكري للحزب الشيوعي الصيني بالسلطة السياسية بعد أحد أعنف الحروب الأهلية وأشدها تعقيداً ضد الحزب القومي الصيني “الكومنتانغ”، وهي حرب بدأت كحملة توحيد عسكري يقودها الكومنتانغ لكامل الأقطار الصينية ضد أمراء الحرب الذين اقتطعوا لأنفسهم إقطاعيّات عسكرية-سياسية عقب انهيار آخر سلالات الإمبراطوية الحاكمة “سلالة تشينغ” وإعلان الجمهورية الأولى 1911.

ثم حصل الانشقاق جراء قسوة الكومنتانغ في ارتكاب مجازر التطهير الدموي ضد الشيوعيين (مجزرة شنغهاي 1927)، وقد حظي الكومنتانغ وقائده شان كاي تشك في تلك الفترة بالاعتراف والتسليح من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي معاً، نظراً لأن الأخير لم ير في الحزب الشيوعي الصيني القدرة على توحيد الصين وطرد العدوان الأجنبي، وعاد الوفاق بين الطرفين الصينيّيْن مؤقتاً ضد العدوان الياباني 1937.

إذاً هي حرب توحيدية وأهلية ووطنية، كنست عن كاهل الأمة الصينية كل تقاليد الخضوع والطاعة والخمول التي رسّختها المدافع البريطانية في حربها “المتمدّنة” في سبيل الأفيون 1839، والتي فتحت الباب للانقضاض الاستعماري على السواحل الصينية (الحملة الأنجلوفرنسية 1856-الحملة الروسية 1868-الحملة الألمانية 1898 إلخ)، وعلى ذلك فإن إعلان الجمهورية الوليدة عام 1949 لم يكن استقلالاً من مستعمرٍ ما مثل التجربة الهندية، فالصين لم تُستعمر بالكامل أبداً، وإنما كان استقلالاً عن قرن كامل بكل آثاره الدموية والمأساوية، يُسمّى في القاموس الصيني بـ”قرن الذُّل” (1839-1949).

ولكن ما كادت الجمهورية الجديدة أن تخطوا خطواتها الأولى حتى جوبهت بأعنف رد دولي ممكن أن تتلقاه دولة جديدة، فبسبب ضغوط الولايات المتحدة تم استعباد الصين من النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية، وأُعطيت العضوية في مجلس الأمن لجزيرة تايوان الصغيرة، التي هرب إليها تشان كاي تشك بعد هزيمته في الحرب الأهلية، كممثل شرعي للجمهورية الصينية؛ وترجع حالة الإنكار السياسي التي أصابت الولايات المتحدة آنذاك إلى أنها لم تقبل فكرة هزيمة الكومنتانغ وتشان كاي تشك بعدما كان يسيطر على 90% من الأراضي الصينية عام 1946، وبعد أن سلحته أكبر قوتين على الكوكب (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي).

ولذلك فإن الولايات المتحدة قد أقدمت على أحد أغرب الخطوات وأشدها بجاحة في القرن العشرين، إذ تجاهلت وجود جسد جغرافي هائل لأكبر شعب في العالم، وأنكرت وجوده القانوني، واستعاضت عنه بجزيرة صغيرة هي محض امتداد أمريكي لاحتواء الصين، رغم الشعارات القومية للكومنتانغ.

إذاً، بدأت الصين مسيرتها الدولية في أسوأ الظروف الممكنة، إنكار قانوني لشرعيّتها الدولية، يفتح الباب لأي غزو محتمل، في محيط إقليمي ممتلئ بعيون متوجسة من الكيان الشيوعي الغريب، يزيد من غيّها التشجيع الأمريكي في التسليح وعقد تحالفات الاحتواء (اليابان، كوريا الجنوبية، ميانمار، فييتنام الخ)، وعلى أساس ما تقدم يمكن فهم الصرامة العسكرية التي تعاملت بها القيادة الصينية في مسألة الحدود جراء الصراع العسكري بين الهند والصين في الأعوام العشرين التالية، إذ كان أمام القيادة الصينية آنذاك خيارين، فرض النظام الدولي على الصين، أو فرض الصين على النظام الدولي.

ويمكن تقسيم التاريخ السياسي للجمهورية الصينية إلى عهديْن أساسيّيْن؛ العهد الثوري (1950-1970)، والعهد التنموي في ما وراء إصلاحات الرئيس الصيني الأسبق دينغ شياو بينغ 1978. في العهد الثوري قاست الصين من خطط اقتصادية عنيفة، وثورة إثر ثورة، حرس أحمر وكتاب أحمر، أما في الجانب الدولي فقد فقد قررت القيادة الصينية عدم الانزواء إلى الانعزالية التي فرضها الحصار الدولي، والانخراط المباشر في كل القضايا العالمية من منطلق التزام أيدولوجي لدحر بقايا الاستعمار، والهدف الآخر تأمين كل قطر من الأقاليم الصينية من أي عدوان محتمل، ولذلك أقدمت الصين في العهد الثوري على خوض حروب جريئة بالنسبة لأمة منهكة من الحرب.

بدأت بحملة استرداد التبت عام 1950، ثم الدخول في الحرب الكورية في أكتوبر 1950 والذي تسببت من خلاله بأكبر انسحاب عسكري في تاريخ الولايات المتحدة، والصراع المسلح على الحدود البورمية 1960 ( مع بقايا الكومنتانغ)، بالإضافة إلى الصراع العسكري بين الهند والصين عام 1962،  والصراع المسلح مع الحدود السوفييتية عام 1969.

ويمثل الصراع الذي أقدمت عليه الصين ضد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي جوهر العلاقة بين الصين والنظام الدولي عبر أساسه، واتخاذ الصين خط ثالث دولي منحاز لما أسماه قائد الثورة الشيوعية في الصين ماو تسي تونغ، “الريف العالمي”. أساسه نسج علاقات الصداقة والدعم لكل دول العالم الثالث، لكسر حلقات القوة والهيمنة من هذين الطرفين.

وتكللت هذه السياسة بالنجاح أخيراً في 25 أكتوبر 1971، عندما صوتت الدول الصغيرة في الجمعية العامة على القرار 2758 لاسترجاع الصين مقعدها في الأمم المتحدة، وهو بمثابة ترحيب دولي للصين تأخر أكثر من 20 عامًا، ونتج عن ذلك زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون الشهيرة لبيكين في فبراير من عام 1972، ليُسدل الستار على أحد أكثر حملات الحصار والإنكار غرابة وبجاحة.

هضبة التبت وحرب 1962

تعتبر هضبة التبت حاجز طبيعي يفصل بين الصين وشبه القارة الهندية، وهي كذلك منطقة عبور، فمن خلال التبت هربت الفرق البوذيّة الأولى في القرن الميلادي الأول من الاضطهاد الهندوسي إلى داخل الصين، ومن هضبة التبت تفيض أغلب أنهار منطقة الهند الصينية، وينبع منها نهرا الصين العظيمين، النهر الأصفر واليانغتسي، اللذان تقوم عليهما حياة ومعيشة أكثر من مليار إنسان في الزراعة والطاقة إلخ.

ويخضع إقليم التبت للسيادة الصينية منذ القرن الثالث عشر، غير أن القبضة الإمبراطورية كانت مغموسة بالعنصرية والفوقية تجاه القوميات الأخرى (عظمة الهان)، ومع بداية حروب الأفيون وتحلّل وانحطاط النظام الإمبراطوري، فقدت السلطة المركزية سيطرتها على الأقاليم البعيدة، ولكن ما كاد الشعب التبتي أن يتذوّق الاستقلال النسبي حتى أستبدلت السيطرة الصينية بالسيطرة البريطانية وفرض اتفاقية الاحتكار التجاري للأسواق التبتية عام 1904.

وفي حملة 1950، دخل جيش التحرير الصيني للأراضي التبتية معلنًا النظام الجمهوري الجديد، وتم طرد بقايا القوة البريطانية الهندية المتفرقة وإلغاء امتيازاتهم، وقد حاولت الحكومة الجمهورية الصينية تفادي أخطاء النظام الإمبراطوري في معاملتها للأقاليم البعيدة، غير أن حملة استعادة التبت كانت قائمة على القسر العسكري، لأن المبرر لاستعادة التبت كان أمنياً لا سياسياً، وفقاً للسياق الدولي الذي كانت تعيشه الصين آنذاك، وهي حملة ذات مبرر دفاعي، فلم تكن الصّين تؤمّن أيًا من الحدود التي تحيط بها، وهي تقديرات أثبت التاريخ صحّتها لاحقاً.

نظرت الهند إلى حملة استعادة التبت بتوجس، ولكن الزعيم الهندي الراحل جواهر لال نهرو، أعلن أن “الصين تستعيد أراضيها”، إذ كانت الهند تفتقد المبرر التاريخي أو الجغرافي أو الثقافي للاعتراض، وكانت العلاقات الصينية الهندية في الخمسينات قائمة على التعاون المتبادل بين أكبر شعبين آسيويين، ونتج عن مشاورات رؤساء وزراء الدولتين شواين لي وجواهر نهرو حول مسألة التبت عام 1954 إعلان المبادئ الخمسة للتعايش، ورفع نهرو آنذاك الشعار الشهير (الهنود والصينيّون أخوة) (Hindi-Chini bhai-bhai)، ووقف بجسارة أمام الأمم المتحدة يطالب بحق الصين بمقعدها مثل أي دولة في العالم.

كانت غاية الهند من المفاوضات الاحتفاظ بمنطقتيْن متاخمتين لإقليم التبت، الأولى في الشمال المحاذي لكشمير وباكستان، وهي منطقة اكساي تشن، الموازية في مساحتها لسويسرا، وقد كانت هذه المنطقة أرضاً صينية حتى عام 1856 عندما أرسلت الحكومة الأنجلوهندية المحلية المبعوث “و.ه”. جونسون لرسم حدود إقليم كشمير، وقد استوعبت خريطته كل إقليم اكساي تشن، ليتوسع إقليم كشمير فجأة بمقدار 33 ألف كيلو متر مربع.

ورفضت الحكومة البريطانية المركزية هذه الخريطة، غير أن الخرائط اللاحقة اعترفت بهذا الخط وتم تسميته بـ”خط جونسون” وهو يشكل أساس الصراع العسكري بين الهند والصين والمطالبة الهندية بالإقليم، أما المنطقة الثانية فهي جنوب التبت وشمال شرق الهند المحاذي لبوتان، وتطالب أيضاً الهند بأحقيتها على الإقليم الذي حدد أطرافه خط مكماهون عام 1912.

وموقف الصين كان واضحاً، الخطوط التي رسمتها القوى الغربية في وقت استعمار الهند وضعف وانحطاط الحكومة الصينية لا قيمة لها، ويجب على الصين والهند رسم حدودهم بأنفسهم، على أساس التاريخ والجغرافيا وإرادة الشعوب التي تعيش في هذه المناطق.

إلا أن المسائل اتخذت مساراً مختلفاً بعد لجوء القائد البوذي الأعلى للبوذيين التبتيين، الدلاي لاما الرابع عشر، للهند عام 1959، رغم أنه وعلى عكس ما هو مشهور لم يطلب الانفصال عن الصين، وإنما الاستقلال الإقليمي للشعب التبتي تحت مظلة السيادة الصينية.

استغلت الهند القضية التبتية التي تفجرّت عام 1959 كورقة ضد الصين، وبدأت اللهجة العدوانية ترتفع ضد بناء الصين لسكك الحديد والشوارع في أكساي تشن لربط التبت بإقليم شينغيانغ، ووجدت الحكومة الصينية تأكيداً للشكوك القديمة مع الهند، ووقفت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي مرة أخرى ضد الصين، وحشدت القوات الهندية التي لم تكن بعيدة، إذ تتمركز على الحدود الباكستانية القريبة.

أدى تسارع الأحداث لعبور الصين في 20 أكتوبر 1962 لخط مكماهون في الجبهة الجنوبية، واختراق الصين لكامل إقليم اكساي تشن في الشمال، وأصدر نهرو أوامره العسكرية بطرد العدوان، استمرت المعارك لأكثر من ستة أسابيع نتجت عنها هزيمة مذلة للجيش الهندي رغم الدعم الأمريكي-السوفييتي، واختراق أوسع للأراضي الهندية.

غير أن الحكومة الصينية أوقفت إطلاق النار من جانب واحد وأعلنت أن حل الصراع العسكري بين الهند والصين لا يمكن إلا أن يكون سلمياً، وأعلنت انسحابها لأكثر من 30 كيلو متر ومطالبة الهنود بفعل المثل، وأعلنت عدم مساسها بالحدود البوتانية، وهو ما يؤكد أن حروب الصين هي حروب ردع لا توسع، الأمر الذي جعل دول العالم الثالث تنحاز للجانب الصيني (أندونيسيا وفيتنام ومصر الخ)

واستُؤنفت المفاوضات التي لم ينتج عنها سوى بقاء ما أسمته الصين (خطوط السيطرة الفعلية)، رغم مناوشات عام 1967 وعام 1986، وقد اكتسبت خطوط السيطرة الفعلية شكلاً قانونياً بالاتفاق الهندي الصيني عام 1993، دون أن تكون حدوداً رسمية.

ورغم الصراع العسكري بين الهند والصين إلا أن الهند استمرت آنذاك بقيادة نهرو برفض سياسات الولايات المتحدة باحتواء الصين والمطالبة بضمها للأمم المتحدة، مما يعكس طبيعة النظام السياسي الهندي آنذاك مقارنة بالنظام القائم.

وقد نتجت عن حرب 1962 نتيجتين أساسيّتين بالنسبة للعلاقات الصينية الهندية:

أولاً: اتفاقية ترسيم الحدود الصينية الباكستانية (بمعزل عن الهند) عام 1963.

ثانياً: تحقيق المصالحة التاريخية بين الدولة الصينية وإقليم التبت بإعلان التبت منطقة ذاتيّة الحكم 1965، بعد قطع أي إمكانية لاختراق هندي-غربي.

نودلهي مستقلة: تفاقم الصراع العسكري بين الهند والصين

عند استقراء الدراسات الغربية (الاقتصادية-السياسية) التي كتبت عن الهند في مطلع الألفية الجديدة، تجدها غارقة في فقاعة تفاؤلية عن مستقبل الهند الاقتصادي، وتقرأ في غالب تلك الدراسات التمجيد في الهند التي سلكت الطريق الليبرالي أخيراً بعد إصلاحات السوق عام 1991، وتخلصت نهائيّاً من إرث دولة الاستقلال الاقتصادي-السياسي الذي وضع مبادئها غاندي ونهرو، وهي مبادئ شبه اشتراكية تقوم على مسؤولية الدولة الاجتماعية عن الصحة والتعليم والإسكان وتحسين مستوى المعيشة ومحاربة الفقر.

ألقت الهند بكل هذا الميراث وراء ظهرها بانقلاب اقتصادي نيوليبرالي بدأ بالثمانينات وتجذر عبر إصلاحات 1991، فباعت المشاريع العامة للسوق وفتحت الباب للاستثمارات الأجنبية وأطلقت سياسة توسيع الأسواق التنافسية، وتقليص الإنفاق الحكومي واعتماده على القروض الدولية إلخ، وسط تصفيق حار من العالم الغربي الذي صار يعتبر الهند فجأة أكبر ديمقراطية في العالم بعد سنوات الجفاء والهجاء للدولة الهندية إبان الحرب الباردة جرّاء التزامها لخط عدم الانحياز.

أما اليوم، فإنك لن تجد عند أشد الليبراليين تفاؤلاً أي من عبارات الإطناب السابقة، فقد تحولت الهند لأحد أكبر النماذج الرأسمالية القبيحة بالعالم، وهي النماذج التي لا يتم ذكرها غالباً في النقاشات النظرية في الاقتصاد (الرأسمالية البرازيلية والمصرية إلخ)، فقد تسبب الانقلاب النيوليبرالي بصدمة اقتصادية لن تتعافى منها الهند قريباً، فالفقر المهول والفساد المالي والعرقية والطائفية هي أساس الديمقراطية الجوفاء للنظام الهندي المعاصر.

وتصل التفاوتات الاجتماعية في الهند اليوم لأرقام مرعبة، فبحسب بنك كريد سويس يمتلك 1% فقط من المجتمع الهندي ما مجموعه أكثر من 51% من ثروة البلاد، و60% من المجتمع الهندي يشكلون مجموع الطبقات الفقيرة التي لا تملك سوى 4,7% من الثروة القومية، والفقر في الهند هو الأكبر عددياً في العالم، فبحسب الأرقام الرسمية الهندية (مفوضيّة التخطيط) فإن هناك 360 مليون هندي تحت خط الفقر، وهو إحصاء ضيّق وغير دقيق إذ يقيس الفقر بحصة 44 سنت باليوم، ولكن أقل من نصف دولار ليس كافياً للمعيشة.

يسبغ التلاعب الرسمي بالأرقام بالتعاون بين الحكومة الهندية والبنك الدولي، على حالة الفقر المخيفة في الهند ضبابيّة رقمية، فكلا الجانبين يستبعدان العشوائيات المليونية التي تعيش خارج النظام الرسمي وتفوق في أعدادها ضعف سكان الخليج العربي.

أدّى التحول النيوليبرالي إلى تآكل وانحطاط النظام الهندي التقليدي لما بعد الاستقلال، وعادت إلى السطح التناقضات القديمة للعهد الاستعماري، الحقد الديني على المسلمين، استرجاع مجتمع الطبقات الهندوسي، وقد أدت هذه التناقضات لبروز الحزب الحاكم الحالي بقبضته الفاشية على البلاد، ليستكمل التحول النيوليبرالي إلى أقصاه، بتوسيع غير مسبوق للأسواق والاستثمارات الحرة، بغلاف قومي هندوسي.

كانت الهند تتمنى موقفاً أشد حزماً من الحلفاء الغربيين تجاه حادثة لاداخ ضد الصين، نظراً للتنازلات التي قدمتها الهند طوال العقود الماضية، فقد وصلت العلاقات الهندية الغربية في عهد مودي إلى مستويات غير مسبوقة، تحولت فيه الهند إلى نموذج إسرائيلي ضخم، واستأنفت الهند عضويتها في المجلس الأمني الرباعي (الهند-اليابان-أستراليا-الولايات المتحدة)، الذي يهدف لتطويق الصين عسكرياً، ويغذي ذلك حقد أيدولوجي هندي تجاه الصين نابع عن رهبة من الحجم السياسي والاقتصادي للصين في الشرق الآسيوي.

من الأخطاء الشائعة لدى خبراء الصين الجدد هو مقارنة النموذج الصيني بالقفزة اليابانية بالثمانينات، أو النمو الهندي في بداية الألفية، وهي أخطاء نابعة عن جهل في النظام الرأسمالي في شكله الدولي.

يمكن تقسيم الرأسماليّات العالمية إلى التالي؛ الرأسماليات الكلاسيكية (أوروبا الغربية والولايات المتحدة)، وقد قامت على التحوّل الصناعي مناصفةً مع حملات الاستعمار وفرض علاقات التبعية السوقية في الحالة الأوروبية والرق والإمبريالية في الحالة الأمريكية، والرأسماليّات المتوازنة (ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، واليابان، وكوريا الجنوبية)، وهي رأسماليات قامت على دعم الرأسمال العالمي مع استئناف للتطور الصناعي السابق مما خفف من وطأة التناقضات الاجتماعية، والرأسماليّات النيوليبراليّة (الهند ومصر والبرازيل وروسيا)، وهي التي قامت على ابتلاع السوق للمجتمع والدولة.

أما الصين فتنبع تجربتها الاقتصادية من خصوصية تاريخية واقتصادية، أما الخصوصية التاريخية فلأن الصين لا تبدأ من الصفر وإنما هي تسترجع مكانتها التاريخية والإقليمية، فقد كانت القوة الاقتصادية الأكبر بالعالم 1850، والصين هي المهيمن الإقليمي التاريخي الأوحد على كامل الجنوب الآسيوي (اليابان، كوريا، فيتنام، الفلبين الخ) في الثقافة والتعليم والنظام الاجتماعي والتقاليد الدينية والفكرية إلخ.

وأما الخصوصية الاقتصادية فلأن الصين في خضم إصلاحات دينغ شياو بينغ قرّرت الانفتاح على الاقتصاد العالمي دون أن تتخلّى الدولة عن التخطيط الاقتصادي المركزي، فلم تتخلّ الصين أبداً عن سياسية الخطط الخمسية منذ استقلالها وحتى اليوم، فمن خلال الإمساك بالمسار العام للاقتصاد (التحكّم بالتسعير، والائتمان، والنقل الجمركي إلخ) استطاعت الدولة الصينية أن تمسك بلجام السوق من ابتلاع المجتمع الصيني (النموذج الهندي)، ولو كانت الصين مدينة حقّاً في مسارها الاقتصادي للسوق (كما تقول النظرة الليبرالية السطحية) لا للخطط لكان مآلها مآل الهند ومصر والبرازيل وليس الواقع القائم اليوم.

وتختلف الهند جذريّاً عن الصين في أن الهند يقف اقتصادها على بؤر صناعية متفرقة وسط بحر من الفقر، في حين أن الاقتصاد الصيني يقف على كامل المجتمع الصيني، فالقاعدة التنموية للاقتصاد الصيني هي كامل الشعب الصيني في كل مقاطعاته، وتمتد البنى التحتية والتقنية والخدمات العامة لأبعد الأقليم عن المركز الصيني، في حين أن الاقتصاد الهندي يستبعد أمواج بشرية من (الأعباء) الاقتصادية، وحتى المناطق الفقيرة العشرة في التقسيم الصيني تعيش على أساس بنية تحتية هي مكمن حسد من كامل الطبقة الوسطى الهندية المتآكلة.

وحسب الإحصاءات، ستتخطى الهند الصين في عدد السكان في عام 2023. ويكمن الفرق الأهم بين التجربتين في أن الفقر هو مبرر التنمية في الصين بينما في الهند فإن الفقر هو عارض للتطور الاقتصادي، والنقلة التي حققها النموذج الصيني في انتشال نصف مليار إنسان من الفقر هي الأكبر في كامل التاريخ الإنساني، والاقتصاد الصيني اليوم لا يشكل فقط 8 أضعاف الاقتصاد الهندي، بل ويتفوق على الولايات المتحدة وكامل المجموعة الأوروبية في الناتج الإجمالي المحلي gdp + معادل القوة الشرائية ppp.

وليس تفوق الصين على الهند مقصور على الجانب الاقتصادي، وإنما في الجانب السياسي أيضاً، فعلى عكس الصورة الكاريكاتورية للديكتاتورية المطلقة، فإن النظام السياسي الصيني قائم على نوع من الديمقراطية الإدارية الإقليمية (انتخاب الحكومات المحلية والبلديّات)، باستثناء السياسة الخارجية التي تستأثر بها بكين.

وتستوعب السلطة المركزية في الصين كل احتجاج شعبي ولو كان في أقصى الأقاليم الريفية، على عكس القشرة الديمقراطية للنظام الهندي، التي تخفي الواقع الفاشيّ والفساد المالي والعصابات المسلحة التي تحاول تطهير الهند من مئة مليون مسلم، وتفقد الهند شرعيتها الإقليمية عند الدول المجاورة (النيبال، سريلانكا، بنغلادش إلخ) مقارنة بالنموذج الصيني، وهي مقارنة خاسرة حتى في داخل المجتمع السياسي الهندي.

الموقف الغربي

صاحب الانتشار العالمي لوباء “كوفيد-19” استفاقة هيستيرية من العالم الغربي على الوضع الدولي الجديد للصين، وليس هو بجديد، وتُستحدث يومياً في الصحافة العالمية حملات مبتكرة في هجاء الدولة الصينية، هجاء الاقتصاد الصيني وهجاء التقنية الصينية وهجاء القطاع الصحي الصيني إلخ.

ويزيد من هذا الهلع الغربي الحالة الكئيبة للدولة الأمريكية، الرجل المريض للقرن الواحد والعشرين، ويحاول البعض تسطيح الأمر بالتفسير الشخصي لشخصية الرئيس الحالي، ولكن هذه من جملة التفسيرات التي ترى الأعراض وتعمى عن المرض، هناك حالة تعفّن تاريخي في أحشاء الدولة الأمريكية، وقد فصّل فوكوياما في كتابه الأخير في تحليل هذه الأزمة.

وإثر حادثة الحدود الصينية-الهندية، أرغى وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، وأرعد وأزبد في إدانة العدوان الصيني على الهند، غير أن ثرثرات الرئاسة الأمريكية لم تعد تعني شيئاً للقيادة الصينية، وتفتقر الولايات المتحدة للمبرّر الأخلاقي حتى في الحديث عن القضايا الحقيقية مثل أقلية الإيغور.

ورغم الانحطاط السياسي لا زالت الولايات المتحدة تملك أكبر قوة عسكرية على الكوكب، وتمتد شبكاتها الأمنية على كل الشواطئ المجاورة للصين، وقد استأنفت الهند عضويتها في المجلس الأمني الرباعي آنف الذكر، ويوسّع الصراع العسكري بين الهند والصين بؤرة النزاع من بحر الصين الجنوبي إلى الجبال الشاهقة في الهمالايا.

ويغازل خيال الساسة في الهند إمكان قيام حلف هندي-ياباني-كوري مع الولايات المتحدة لقصم هذا العملاق الذي لا يتوقف عن النمو، ورغم أن عصر حملات التأديب الإمبريالي الأمريكي قد انتهى، إلا أنها أحلام تطرب لها القيادة الأمريكية الحالية التي لا تفرق كثيرًا بين الحلم والواقع، والتي لا تنقصها الرعونة لتحويل الحرب التجارية لشكل آخر أشد عنفاً.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

108356797121491916538

باحث متخصّص في القانون الدولي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق