سياسة وتاريخ

صراع الجديد والقديم قبل الإسلام : حروب طاحنة

لم يعرف التاريخ العربي حروبا قاسية كتلك التي شهدت مرحلة ما قبل الإسلام أو ما يعرف بالجاهلية، حروب دامت سنوات طويلة بلغت أربعين عاما في حربي “البسوس” و”داحس والغبراء”، وحربا مريرة قادها امرئ القيس رغبة في استرجاع ملك كندة، تعددت أسبابها المباشرة واعتبرت تافهة كقتل كليب لناقة البسوس، وسباق داحس والغبراء، غير أن الحقيقة القاسية التي وجب الوقوف عليها هي أن حروب الجاهلية كانت تقوم جراء صراع محتدم بين سيادة نظام المدينة ـ الدولة ـ  ونظام القبيلة.

حرب البسوس: مشروع كليب الجديد وعادات القبيلة التي تأبى الإندثار .

لا توجد حرب في الجاهلية اشتهرت مثلما كان الحال مع حرب البسوس، وهي حرب كان طرفاها قبيلتي بكر بن وائل وثغلب، وهم أبناء عمومة، بعد انتصار القبيلتين مجتمعتين مع حلفائهم على التبع اليمني وإسقاط مملكته، أصبح وائل بن ربيعة ـ كليب ـ التغلبي ملكا على القبيلتين وعلى بني عبد القيس والمضريين، وكان وائل هذا يسعى لبناء مجتمع المدينة الدولة على حساب مجتمع القبيلة الذي كان سائدا، غير أنها كانت التجربة الأولى لهذه القبائل مع نظام الحكم والملك، فكان من الصعب على أفراد هذه القبائل الإندماج مع النظام الجديد، وزاد الطين بلة أن وائلا نفسه كان لا يزال متشبعا بعقلية القبيلة ويجسدها في ممارساتها اليومية مع أبناء عمومته من بني بكر بن وائل، وهم أهل زوجته الجليلة بن مرة، ما أدى في نهاية الأمر إلى أن يقتل وائل بن ربيعة على يد جساس بن مرة دفاعا عن عادات القبيلة وأعرافها ويفشل مشروع وائل الذي كان يسعى لبناء مجتمع المدينة الدولة .

حرب داحس والغبراء: طموح عبس الجريء وأولوية العشيرة لدى ذبيان.

داحس والغبراء هي الحرب التي جمعت بين قبيلتي عبس وذبيان، وهما أبناء عم هم أيضا، وهذه الحرب اشتهرت بوجود عنترة بن شداد فيها، كان زهير بن جذيمة يطمح لأن يسود العرب، فحول عبس من قبيلة إلى مدينة، وأخضع بني غراب وهوازن، وبعده جاء ابنه قيس بن زهير، واستمر على نهج أبيه وكانت عبس تسمى مملكة، في الجانب الآخر كانت ذبيان تقوم بحراسة قوافل النعمان بن المنذر ملك الحيرة مقابل أجر، وتعرضت قوافل النعمان للإغارة من الصعاليك، فنقل حماية القوافل لعبس، غير أن قيس وهو يقبل عرض حماية القوافل تعامل تعامل الملك للملك مع النعمان، الأمر الذي أدى بذبيان لخسارة مورد رزقها، فحدث أن تسابق قيس بن زهير ملك عبس صاحب داحس وحذيفة بن بدر زعيم ذبيان وهو فارس الغبراء لتحديد من يربح حماية قوافل الحيرة، فكانت نتيجة السباق وما حدث في خضمه سببا لقيام حرب داحس والغبراء، وهي الأخرى برؤية أعمق جاءت نتيجة طموح عبس في أن تصير مملكة ورغبة ذبيان في الحفاظ على خصوصية القبيلة، فذبيان كانت تخشى دائما أن تضمها عبس تحت رايتها.

امرئ القيس وفشل استرجاع الملك.

عندما قتل حجر بن الحارث ملك كندة على يد بني أسد، حاول امرئ القيس الشاعر المشهور وصاحب المعلقة المشهورة الثأر لأبيه، فكان ثأره مرا عصيا، وحتى عندما نجح في النيل من بني أسد فشل فشلا ذريعا في استرجاع ملك كندة، وفشله ذاك كان راجعا لأن بني أسد عندما قتلوا حجر بن الحارث قطعوا ارتباطهم بمملكة كندة إلى الأبد، وتمسكوا بكونهم قبيلة لا تخضع لحكم مدينة، وامرئ القيس رغم محاولاته لم يفلح في إعادة تأسيس الملك، فعادت كل القبائل التي كانت تحت حكم كندة مجرد قبائل لا غير.

إن تاريخ الصراع بين القديم “القبيلة” والجديد “المدينة”، في حقبة ما قبل الإسلام ظل مستمرا على طول الخط، رغم نجاح بعض التجارب كتجربة المناذرة والغساسنة والتبابعة، وخيضت الحروب الضروس دفاعا عن أعراف وعادات القبيلة، حتى جاء الإسلام فنجح مشروع المدينة ـ الدولة ـ لأول مرة في تاريخ العرب.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

هشام بوطيب

هشام بوطيب مغربي الجنسية، كاتب روايات وقصص صاعد. معد سكريبت برامج مصورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى