مدونات

صراع الأجيال

منذ أن خلق الله البشرية، بدأت تتكون في كل حقبة زمنية معينة أجيال متطورة عن نظيرتها السابقة، إلا أن هذه الأخيرة تظل كل فترة تعيش صراعات مع التي تسبقها أو التي تليها.

هذا يقودنا للبحث عن أسباب هذا الصراع؟ و عن الحلول المقترحة لإنهاء هذا الصراع و الجدال الكبير الذي طالما خلق عداوة بين الأجداد و الأحفاد؟

إن التساؤلات عن سبب الجدال بين الأجيال مرجعه الأول هو ذلك الفارق الذي يكمن في التطور، فدائما ما يكون الجيل اللاحق أكثر تطورا من نظيره السابق، و ذلك في نمط عيشه و تغير ثقافته، ومن الطبيعي ألا يرضى أي من الجيلين بخلق تغير في نمط حياته، واللاحقون من طبيعة الحال يتغير نمط حياتهم، وهذه سنة الحياة.

لعل السبب الثاني هو كونهم يودون -الجيل السابق- بحكم أنهم سابقون للوجود، الادعاء بأنهم وحدهم من يملك التجربة و الخبرة في كل المجالات، و هذا ما يجعل فئة الجيل الذي يلحقهم يقول أن الجيل الذي سبقه قديم في نمط تفكيره و قراراته و مزاجه، و أنهم لا يفهمون نمط حياتهم و أن المسافة بينهم بعيدة جدا.

أما السبب الثالث فيتجلى في أن العلاقة بين الأجيال هي علاقة تربية بالدرجة الأولى، فالجيل السابق بمثابة معلم و مربي للجيل الذي يلحقه، و الجيل الأخير تعترضه مجموعة من الضغوطات التي تخنق أنفاس حريتهم، وذلك راجع بالضرورة إلى العرف و الضوابط الاجتماعية و الدين و التقاليد و القوانين و غير ذلك، و التي لايواكب بعضها تغيرات المجتمعات وتطورها، وهذا ما يجعل الجيل الجديد يبتعد عن الذي يسبقه بكونه بعيدا عنه لذلك لا يستشيره فيما يخصه إلا فيما ندر.

إن جيلنا اليوم مطالب بمحاورة الجيل الذي يسبقه لخلق تعايش بين الأجيال، فغايتنا الاستفادة من الجيل الذي سبقنا، أي أن نستفيد من تجارب الذين سبقونا، و هذه الاستفادة لا تأتي إلا بالنفع على الجميع.

من أجل الخروج بحل يرضي الطرفين، يجب أولا اعتماد الحوار كحل ناجع لإقناع الجيلين بضرورة الإيمان بالاختلاف و الإعتراف بوجود الآخر، و ضرورة احترام الجيل السابق لآراء الجيل اللاحق، و احترام الجيل اللاحق لآراء الجيل السابق.

كل ذلك يعد من جوهر الأخلاق التي من شأنها أن تخلق مجتمعا واعيا بمختلف أجياله و مكوناته العمرية ويستفيد منها في تطوره ونهضته.

بشكل عام لابد من اعتماد قاعدة ثنائية فعالة تضمن توازن واستقرار كل من الجيل السابق و اللاحق، أولى هذه القواعد التي يجب غرسها هي التسامح و التعايش فكريا مع الجيل الذي سبق، مع الأخذ بكل ماهو إيجابي في عرفهم و في قيمهم، مع مراعاة أفكار الجيل اللاحق الذي يحمل في طياته كذلك حقولا جديدة من المعرفة و الأفكار الجديدة، وبالتالي تمتزج الأصالة بالمعاصرة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق