سياسة وتاريخ

صداقة هنا.. عداء هناك

تستمر لليوم الثاني على التوالي زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الهند، القوة الصاعدة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً في جنوب آسيا، تلك المنطقة الهامة لمصالح الولايات المتحدة والتي تتخللها العديد من المشكلات في القلب، منها الأزمة الكشميرية المزمنة.

كان ترامب قد أعلن قبيل زيارته أنه سيناقش مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي العلاقات الثنائية بين واشنطن ونيو دلهي، وهو أمر مفروغ منه نظراً لتنامي العلاقات بين البلدين منذ عقد مضى، لكن الزيارة تحمل دلالات أكبر لترامب ومودي والغائب الحاضر بينهما عمران خان رئيس الوزراء الباكستاني.

يعتبر مودي الفائز بأغلبية بسيطة في الانتخابات العامة التي جرت العام الماضي زيارة رئيس أقوى دولة في العالم بمثابة طوق نجاة له، فالرجل يعاني من جملة من المشكلات الداخلية في صدارتها تراجع اقتصاد بلاده بشكل غير متوقع، مما خيب توقعات ملايين الهنود من أنصاره، وتسبب في فوزه بصعوبة في الانتخابات الأخيرة، كما تميد الأرض من تحته بعد إعلانه في الخامس من أغسطس الماضي إلغاء الحكم الذاتي لإقليم كشمير ذي الغالبية المسلمة، وقانون منح الجنسية الذي منح كل أتباع الديانات الحق في الحصول على الجنسية الهندية ماعدا المسلمين.

ولا تقل الزيارة أهمية بالنسبة لترامب، فالرجل على أعتاب انتخابات رئاسية حامية الوطيس في نوفمبر المقبل، ويعول كثيراً على إنجازاته الاقتصادية في إعادة انتخابه، خاصة بعدما وفر مليوني فرصة عمل، وأدخل للخزينة الأمريكية نحو تريليوني دولار من صفقات أسلحة واتفاقيات تجارية واستثمارات من هنا وهناك، وهو يعلم تماماً أن الاقتصاد هو الهم الأول والأخير للمواطن الأمريكي.

لكن بقدر ما تحمل الزيارة دلالات إيجابية لأمريكا والهند، فهي تحمل رسائل مقلقة لباكستان التي تعتبر الحليف الأهم للولايات المتحدة في جنوب القارة الصفراء، فكل رئيس سكن البيت الأبيض يعلم العداء التاريخي بين الجارتين النوويتين منذ ما قبل رحيل الاحتلال البريطاني عن شبه القارة الهندية، مروراً بتقسيمها لبلدين، ثم حربي كشمير الأولى والثانية وصولاً لحرب تحرير باكستان الشرقية، والتي تمخض عنها تأسيس بنجلاديش انتهاءً بالصراعات المتقطعة بين البلدين بين حين وآخر، والتي تحبس أنفاس العالم خشية اندلاع حرب رابعة.

توترت العلاقات بين أمريكا وباكستان بشكل غير مسبوق في عهد ترامب، الذي اعتاد على مناطحة الحلفاء طالما لا يدفعون لأمريكا المقابل المناسب لحمايتهم، واتهم الرئيس الأمريكي بكلمات لا تحتمل التأويل الحكومة الباكستانية بدعم الإرهابيين في أفغانستان ضد القوات الأمريكية، وكلف نائبه مايك بنس بزيارة الهند وتوقيع اتفاقيات تجارية وأمنية في العام الماضي، مطالباً باكستان بتقديم مقابل لما تمنحه لها أمريكا من مساعدات، وأن زمن المساعدات الأمريكية دون مقابل ولى إلى غير رجعة.

ردت حكومة عمران خان الإهانة الأمريكية بزيادة تعاونها التجاري مع الصين، ومنح بكين حق تطوير ميناء جوادر ليكون ضمن خارطة الصين التجارية في مشروعها الاقتصادي العملاق المعروف بطريق الحرير الجديد، مما سيوفر لباكستان مائة وخمسين مليار دولار ستنعش دون شك اقتصادها المتردي، ومغامرة ترامب بتحسين علاقاته مع الهند ستضره كثيراً مع باكستان التي لا ترفض علاقات العم سام مع جارتها اللدود، لكن دون أن تكون على حسابها أو تشكل تهديداً لمصالحها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق