مدونات

صداقة خلف الجدران…

لاتزال الآلام كاشفة لمعادن البشر، حيث تظل النكسات هي الجامعة للأصحاب وما أكثر القصص التي تروى خلف الجدران ،فقد تكون الفضفضة هي المخرج الوحيد لكل مكروب، وما الحياة إلا تجارب وروايات، وهي كذلك حسرات وعبر، فربما يتحول الغريب إلى أعز صديق ويصير القريب عدو ، فالمحن وحدها هي التي تظهر القلوب، والذهب يتلألأ عند الانكسار، فالوفاء هو العملة الشحيحة في أوقات الانهيار.

الصداقة الحقيقية كالمظلة، كلما اشتد المطر، كلما ازدادت الحاجة لها، فالصداقة كنز لا يفنى والصديق الحقيقي من يساندك ويدعمك وقت الشدة والفرح والصديق لا يطلق عليه صديق من الكلمات فقط وإنما المواقف الصعبة التي يحتاج فيها الشخص إلى أخ وليس صديق فقط وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (المرءُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم مَن يُخاللُ) (حديث شريف).

وتأسيساً  على ما سبق فإننا قمنا بإجراء تحقيق إستقصائي  تحدثنا فيه  بشكل مباشر مع البعض ونقلنا فيه عن البعض الآخر بعض قصص  الصداقة من داخل السجون.

تحدث ياسين شبراوي والد الأسير  الفلسطيني أحمد شبراوي ل عربي 22 عن قصة صداقات ولده في سجن الاحتلال حيث قال : ولدي هو الاسير احمد ياسين شبراوي من سكان سلواد شرق رام الله  وهو متزوج ولديه بنتان، وقد اعتقل لدى الاحتلال مرتان الاولى في ٢٠٠٨ لمدة ١٨ شهرا و الثانية في ٢٠١٣ لمدة ١٨ شهرا في معتقل عوفر و كانت التهمة في المرتين محاولة تصنيع السلاح.

صداقة خلف الجدران

لقد روى لي ابني أن قصة الصداقة في السجن كبيرة جدا ويطول الكلام عنها، حيث أنهم كانوا يشعرون بالألم معاً رغم أن هناك جدار يفصلهم ولكن هذا لا يمنعهم من الدردشة مع بعضهم في صوت خفيض من خلف الجدران في أقبية التحقيق المظلمة التي لا ترى الشمس، حيث كانت طريقتهم هي الدق على جدار الزنزانة ليتعرفون على بعضهم بالصوت حتى يفضفض كل واحد منهم للآخر بما تعتل به نفسه، فيتعرفون على التهم التي أدخلهم الاحتلال بسببها إلى السجن، فيما بعد يلتقون بعد انتهاء التحقيق وقد لا تسنح الظروف بهذا اللقاء، وما يجري بينهم في غالب الأحيان يكون تحذيرات متبادلة لما يمكن أن يحدث لهم  من سلطة الاحتلال  التي يمكن أن تجرهم إلى  ما يسمى غرف العصافير، أو غرف العار التي تحوي مجموعة من العملاء  حيث يدعون أنهم مناضلون و يحاولون سحب اعتراف من الأسير بالخداع، أما  بقية الأصدقاء فيتم اللقاء بهم داخل غرف الأسر يتعرفون و يتناصحون و لا شك ان لكل منهم حكاية و رواية تتداخل مع الآخرين حيث العدو الصهيوني المشترك و الهدف الواحد و تمتد العلاقة إلى حين خروح الأسير الذي يبادر من لحظة تنسمه الحرية لزيارة أهل أصدقائه و طمأنتهم و يوصل لهم السلامات و بهذا تتسع شبكة التعارف و التواصل و تزداد رابطة الأخوة و المحبة.

على جانب آخر يروى عن الرئيس الراحل صدام حسين  أغرب قصة صداقة حقيقية داخل السجن، فقد كان صديقاً لحراس السجن الذين كانوا مصاحبين له، فقد كانت الأيام الأولى لجلسات المحاكمة تبدو مملة، ومع مرور الوقت نشأت المودة بين الحراس وصدام الذي لم تكن تبدو عليه علامات الشر على حد ما ذكره الحراس، حيث استغرب الحراس رضا صدام عن ظروف اعتقاله في زنزانة صغيرة تاركاً قصوره الفارهة العديدة، وكان يستمتع بالجلوس على كرسي صغير خارج الزنزانة وأمامه مائدة صغيرة عليها علم عراقي صغير يكتب عليها ويدخن، وكان صدام يهتم بتنسيق البساتين في حديقة السجن.

صداقة خلف الجدران

من ناحية أخرى كان يستمع  صدام إلى الراديو وكان يحب ركوب الدراجة الهوائية وكان يمازح الحراس ويقول إنه غزال يقوي سيقانه عبر ممارسة الرياضة كي يتمكن لاحقاً من القفز فوق أسوار السجن ، كما كان يبدي اهتماما بالحياة الخاصة للحراس ويسألهم عن أفراد أسرهم إلى درجة أنه كتب قصيدة لزوجة أحدهم.

وقد تحدث صدام عن غضبه  الشديد من ابنه عدي الذي أطلق النيران على رواد أحد النوادي الليلية في بغداد فقتل وأصاب العشرات وهو ما أثار غضبه فأضرم النار بكل سيارات ابنه.

وكانت اللحظات الأخيرة لصدام مع  أصدقائه الحراس الأمريكيين يوم تنفيذ حكم الإعدام فيه حيث عانق صدام الحراس الذين سلموه إلى القائمين على تنفيذ حكم الإعدام، حيث تحدث روجرسون الحارس الأصغر عمراً في مقابلة مع موقع البي بي سي عام 2018 أن يوم إعدام صدام كان يوم حزين بالنسبة لهم،فقد ودعهم قائلاً :  كنتم أصدقائي مما أبكى بعض الحراس.

على جانب آخر روى أحمد سيف الإسلام الناشط اليساري رحمه الله  قصته مع الصداقة قائلاً

صداقة خلف الجدران

: تم اعتقاله عام 1986 ونشأت صداقة وطيدة بينه وبين فردين من جماعة التكفير والهجرة وهما الشيخ رزق وعلي جاد، وقد استمرت الصداقة رغم الاختلاف الفكري الشديد حيث يجمع الأصدقاء مواقف أقوى من الأيدلوجيات مثل لحظات الحزن والأسى ، حيث يكون الإنسان في هذه الحالة في حاجة ماسة إلى من يسانده ويسمع له ليشاركه آلامه.

وقد أوضح سيف الاسلام رحمه الله أن السجن تنشأ فيه حياة جديدة تماماً تختلف عن الحياة  خارجه، فالإنسان يصبح له أهل وأسرة جديدة في السجن، ويكون ذلك فرصة لتكوين صداقات وعلاقات إنسانية تكون أقوى من الصداقات خارج السجن، فالمعاناة والمحن تجمع الناس وتخلق روابط قوية ومعظم الصداقات التي تتكون داخل السجن تستمر ربما طيلة العمر.

من ناحية أخرى تحدث السجين الأمريكي روبرت سترود الذي تم تناول قصة صداقته في السينما العالمية في فيلم (عصفور الحرية) .

صداقة خلف الجدران

حيث يحكي إنه واجه مشكلات عديدة مع حارس السجن مما دفعه للإعتداء عليه ، وقد أدى ذلك لمعاقبته بالحبس الإنفرادي ، فقد كان ذلك سبب في إنعزال سترود عن العالم بلا صديق ، ولكن قدر الله جمعه بعصفور جميل كان يعيش في عش على شباك الزنزانة ، وفي يوم ما يسقط العصفور من الشباك إليه ويوماً بعد يوم يصبح صديقه ويتحدث معه ويأكل معه ، بل ويحكي له عن أحزانه وأحلامه حتى تتغير حالته النفسية إلى الأفضل .

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عزة عبد القادر

أنا مصرية وأعمل كمدرس قانون منتدب بجامعة حلوان ، بدأت العمل بالصحافة عام 2005 في مجلة المسلمات ثم انتقلت لجريدة إشراقات ، في عام 2011 عملت بجريدة النبأ الوطني ثم انتقلت إلى جريدة وموقع الوسيط الدولي ، بعد ذلك كتبت في موقع ساسة بوست وموقع توضيح وأخيرا موقع أراجيك.
زر الذهاب إلى الأعلى