مدونات

صاروا أرقامًا.. نصف سكان العالم جوعى رغم إمكانات بلادهم الهائلة

عرفت البشرية الجوع منذ عهود طويلة ولا تزال الشعوب تخشاه، حتى عصرنا هذا الذي كثرت فيه الحروب والكوارث وجعلته أقرب مما كان يُتصور سابقاً. ومع أن الإحساس بالجوع قد اختلفت أسبابه جغرافياً وتاريخياً، كما تنوعت طرق مكافحته في الفكر العربي والغربي، إلا أنه ظل تهديداً يؤرق العالم.

للجوع اتصال مباشر بحياة البشر وقد يكون في أحيان كثيرة سبباً لمشاكل صحية واجتماعية وأمنية أخرى، فهو بوابة قضايا كثيرة أخرى معقدة. ولا تخفى أهمية البحث في مفهوم وعلاج الجوع في الفكر العربي؛ حيث باتت الشعوب المسلمة معرضةً لعواصف من موجات عدم الاستقرار والنزوح لأسباب مختلفة. وإيجاد حلول واستراتيجيات راسخة تعتمد على الثقافة العربية بشتى تنوعاتها سيكون أكثر فاعلية وتقبلاً للمتضررين، وسيكون أجدى نفعاً من فقه الاضطرار الجزئي الطارئ كما هو كائن لدى مدارس الفتوى الشرعية الحالية.

ذُكِر “الجوع” في القرآن الكريم عدة مرات مما لا يدع مجالاً للشك من أنه هاجس إنساني قديم. ولكن يبقى ما كُتِب حوله في الفكر العربي قليل والبحث في الكتابات السابقة أمر شاق. ومن أشهر من كتب باختصار حول الجوع هو ابن خلدون في المقدمة.

أما في الفكر الغربي فقد أصدرت تقارير ودوريات حول الجوع من عدد من المفكرين ضمن منظمات دولية مشهورة. بينما الدراسات المقارنة بين مجاعات الشعوب المسلمة وغيرها فنادرة جداً، كتلك التي تقارن بين مجاعات البنغلاديش والصومال والصين وإيرلندا.

تختلف استعمالات مصطلح الجوع بحسب السياق الكمي والنوعي، فهو حالة تصيب الأفراد والمجموعات، وقد يكون نتيجة نقص أحد أنواع الأغذية الضرورية متسبباً بأمراض، أو انعدام جميع أنواع الأغذية.

وإذا أردنا أن نُعرِف الجوع فسنجد أنه ذاك الإحساس بالألم الجسدي والشعور بالخوف والحرمان والذل. وجدير بالذكر أن تعريف الجوع قد غلب عليها مؤخراً النزعة الإحصائية فغابت عنها الجوانب النفسية التي يعاني منها المتضررين، ولذا كان التركيز من المنظمات الدولية على المساعدات المادية وأغفلت الندوب التي تخلفها تلك التجربة في باطن الإنسان. ومن المعلوم أن الجوع والمرض يسيران جنباً إلى جنب وغالباً ما يتسبب الجوع بمرض المتضررين سيما الأطفال وانتشار الأوبئة الفتاكة. وكثيراً ما تكون المجاعات موسمية في بعض البلدان خاصةً تلك التي تعتمد على الاقتصاد الزراعي حيث تجف الأمطار ويذبل النبات وتموت المواشي ظمأً.

والجوع يُدخِل الإنسان على مستوى الفرد في دوامة ما يُسمى بالعمل والكسل، فلا يستطيع الجائع العمل بشكل مُنتج بسبب نقص الغذاء اليومي، فتتدهور أوضاعه المعيشية ليواجه الجوع الشامل أخيراً.

ويبلغ عدد النساء والأطفال 80% من مجموع الجياع في العالم، كما ينتشر سوء التغذية بين الفقراء من سكان الدول النامية. وبالرغم من النمو السكاني فقد انحسرت أرقام الوفيات المتعلقة بالجوع خلال العقود الماضية.

وينقسم الجوع من ناحية تسببه للأمراض إلى جوع ظاهر ومستتر؛ أما الظاهر فيقصد به عدم الحصول على السعرات الحرارية التي تمد الجسم بالطاقة الكافية لتأدية وظائفه، وهو الجوع الحقيقي الناتج عن عدم الغذاء.

والجوع المستتر هو ما يُعرف بسوء التغذية المتمثل في نقص أحد العناصر الغذائية الرئيسة والتي تقدر بحوالي أربعين عنصراً تحمي الجسم من الأمراض الفتاكة، منها البروتينات والفيتامينات والمعادن.

ومن المعلوم أن الأطفال هم أكثر المتضررين من الجوع المستتر بنسب وفيات عالية قاربت 50% من مجموع الوفيات في الدول النامية تسبب فيها خصوصاً نقص البروتين الحاد. هذا وبالإضافة إلى ما يؤديه سوء التغذية من شيخوخة مبكرة، وضعف الإنتاج العملي، وتأخر أو توقف النمو العضلي والبدني.

ويعاني أكثر من نصف سكان العالم أحد هذين النوعين (الجوع وسوء التغذية)، وهم سكان من يعرفون بدول العجز الغذائي في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وتجدر الإشارة إلى أنه هناك تفاوت في إحصاءات الجوع بسبب تضارب المصالح بين الدول والمنظمات الدولية وضعف الآليات الإحصائية لدى الدول الفقيرة وغير ذلك من الأسباب.

وعلى كل حال، باتت المشكلة أمراً لا يخفى خطره وإن كانت الأرقام التقديرية ضرورية لقراءة الواقع وتحديد الحلول. وينحصر 70% من نسبة الجوع العالمي في دول البرازيل وبنغلاديش وإثيوبيا وباكستان والهند وزائير وكمبوديا والفلبين وإندونيسيا. والأمر المثير للاستغراب هو أن بعض هذه الدول لديها قدرات نووية، مما يعني أن القضية متعلقة بالاهتمام والقرار السياسي قبل أن تكون نقص في الموارد أو الإمكانات.

اقرأ أيضًا: حلم جيفارا دفن معه: القرن 21 وصعود الرأسمالية فوق أجساد المهمشين

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Anwar Mohamed

أنور ياسين محمد - كاتب مقيم بأستراليا- للمراسلة: [email protected]

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق