سياسة و تاريخ

شيطنة تركيا: إلى متى؟

انفض مؤتمر برلين المنعقد حول الأوضاع في ليبيا دون وثوق المؤتمرين بإمكانية الوصول لحل للوضع الليبي المتأزم، لكن أكثر ما قد يلاحظه المتابع للشؤون الدولية وعلى وجه الخصوص ما يجري في الشرق الأوسط، أن الهجوم على الدولة التركية ممثلة في رئيس الجمهورية المنتخب رجب طيب أردوغان لم يتوقف خلال المؤتمر أو قبله أو بعده، بل وصل الأمر ببعض وسائل إعلام الأنظمة العربية للسخرية من موقع أردوغان خلال التقاط الصور التذكارية في نهاية المؤتمر.

يتشدق كثير من مناهضي تركيا بادعاءات شتى حول الدور التخريبي للدولة التركية في المنطقة، وتحميل أنقرة كل الكوارث التي وقعت منذ 2011 إلى اليوم، بل ووصل الأمر بترديد أكاذيب جمة حول الدولة العثمانية فندها كثير من الكتاب والمفكرين، فما هي هذه المزاعم وما مدى صحتها؟

أول ادعاء لرافضي الدور التركي في الدول العربية، هو زعم رغبة حزب العدالة والتنمية الحاكم في إحياء الخلافة العثمانية والسيطرة على الدول العربية من جديد، وليس أدل على ذلك من ترديد فضائيات عربية في برامجها صباحًا مساءًا مساوئ الدولة العثمانية في أواخر حكمها، وتجاهل مناقبها وتاريخها المشرف؛ لشحن الجماهير العربية ضد الدولة التركية، وتوجيه الرأي العام العربي للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وهو زعم ساقط لا يقبله إلا جاهل أو مغيب أو كاره لتركيا.

فليس معنى دفاع تركيا ورئيسها عن المضطهدين في الدول العربية -وما أكثرهم-، أو رفض الرئيس أردوغان لوصم الإسلام بالإرهاب والاعتزاز بالهوية الإسلامية لبلد البحار الأربعة، ومد اليد التركية لكل من يطلب المساعدة، هو الرغبة في إعادة الامبراطورية العثمانية، فلا الظرف التاريخي ولا الدول الكبرى المتحكمة في القرار الدولي ولا حتى الشعوب التي تدعي حكوماتها هذا السخف ستقبل بخلافة لم يتهيأوا لها بعد، ورغم ذلك ما زال الكثيرون يرددون هذا الكلام.

الادعاء الثاني والذي انتشر انتشار النار في الهشيم هو علاقة الحكومة التركية بتنظيم الدولة الإسلامية المعروف إعلامياً بداعش، واتهام الحزب الحاكم بدعم الإرهاب بناءًا على ذلك، وقد ورد هذا الكلام للمرة الأولى على لسان نائب الرئيس الأمريكي الأسبق جوزيف بايدن عام 2014؛ للضغط على تركيا لاستخدام قاعدة إنجرليك جنوب تركيا لتنفيذ عمليات عسكرية ضد تنظيم الدولة، وهو ما رفضته تركيا معتبرة أن الأولوية هي وقف نظام الأسد السوري عن جرائمه.

وجاء حديث مسئول الأمن الإلكتروني الأسبق بالمخابرات الأمريكية إدوارد سنودن حول تعاون المخابرات الأمريكية والموساد الإسرائيلي والمخابرات البريطانية لتأسيس هذا التنظيم الإجرامي، وذلك عبر إبراهيم عواد المعتقل السابق في جوانتانامو؛ لصرف تفكير الشباب العربي الحانق على الأنظمة العميلة للغرب الحاكمة لبلاده، وبدلاً من الثورة ضدها واقتلاعها، تملأ رأسه بأفكار تكفير الآخر ومن ثم قتله.

أما الادعاء الأخير وهو تنفيذ المخططات الصهيونية ضد الدول العربية، وبالرغم من العلاقات السياسية والاقتصادية بين إسرائيل وتركيا، إلا أن دعم الحكومة التركية للقضية الفلسطينية ومحاولتها كسر الحصار عن غزة عام 2010، والذي نتج عنه استشهاد تسعة أتراك على يد الصهاينة، سبب توتراً ملحوظاً بين تل أبيب وأنقرة لا زال موجوداً وملموسة آثاره إلى اليوم.

كل المزاعم السالفة تهدف إلى تهيئة الشعوب خاصة العربية لأي مخطط يستهدف تركيا وقيادتها الناجحة المنتخبة ديمقراطياً؛ لإعادتها للتبعية والانهيار الاقتصادي والانحلال الأخلاقي، لكن الشعوب أذكى من المتحكمين فيها، وستظل واضعة التجربة التركية نصب أعينها؛ علها تستنسخها في بلادها يوماً ما.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق