أسلوب حياة

شيطنة الاختلاف.. أزمة العقول المتحجرة والأفكار القمعية

سيظل هذا النهج وسيلة لبعض الأفراد، ألا وهو شيطنة الاختلاف وبالأحرى المختلفين معنا، بل وفي كثير من الأحيان يتم تحوير النقد لوصمه بالحرب على القيم وعلى أسس وقواعد راسخة في وجدان المختلف معهم، هذا السبيل وجده البعض وسيلة ليقتاتوا منه لقمة عيشهم في دنيا ممتلئة بالعابثين ومعدومي الضمير؛ فلا سبيل لهم للعيش إلا على اتهام الآخرين بالجرم والشيطنة والإفساد والتخريب. وعدّد ما شئت من التهم التي لا نعرف لها أساس ولا يمكن القياس عليها لأنها من صنع من اجتمعت مصالحهم عليها.

والعجيب أننا نكاد ننكر أن الاختلاف سمة في الخلق؛ وفي هذا الكون الرحب تجد الموجودات المختلفة تعيش في سلام جنبًا إلى جنب؛ ولو كانت هذه الموجودات مخيرة كما الإنسان، لوجدنا الكوارث والمهازل والفتن والخراب، وفي النهاية نردد مع أنفسنا الآذان والتراتيل الدينية لنتوهم أننا بذلك ملتزمين بنهج الخالق؛ في حين أن الحقيقة تقول أننا نفعل ونأخذ من هذه التعاليم ما يوافق هوانا وهوى المجتمع من حولنا.

شيطنة الاختلاف وسيلة لقمع الآراء

شرع الخالق تعالى الاختلاف، والاختلاف مقبول في غير ثوابت وأصول الدين، وأنه من غير المعقول وصم من اختلف معنا في أمور دنيوية بحتة بأنه من المخربين للقيم والأسس القويمة؛ بل لا أجد غضاضة إن قلت إن الاختلاف في الدين ذاته لا يعطي الحق لأحد أن يفتئت على الآخر أو أن يهاجمه، اللهم إلا في حالة الاعتداء الصارخ على الدين والحيلولة دون بزوغ فجر دعوته إلى القاصي والداني.

لو نظرنا إلى الخلافات القائمة حولنا في عصرنا اليوم، نجد أنها لا تخرج عن الاختلافات سواء في النواحي الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية أو الرياضية أو الاقتصادية؛ وكلها أمور ترجع إلى طبيعة الدنيا وحركة الحياة؛ وليس من المنطق أبدًا التحزب لطائفة أو الإيمان المطلق بصدق توجهاتها والتحيز لها بصورة تحجب العقل وتدفع إلى اتهام ما عداها بالجرم والفسق والعصيان، فالآراء الاجتماعية والمذاهب الحياتية مختلفة، وكل يأخذ منها ما يراه متوافقًا مع طبيعته وطبعه؛ والنواحي الثقافية ليست على شاكلة واحدة، فكل أمة لها ثقافتها التي تميزها عن غيرها، ولا يبيح ذلك الافتئات على أي ثقافة مختلفة مهما كانت غير متفقة مع الثقافة التي يتبناها الآخر.

بعد شيطنتهم لبعضهم.. الجميع غيّر جلده

وعن النواحي السياسية، نجد الاختلاف هو الظاهرة الوحيدة الصحية والتي تبشر بمجتمع ناضج؛ أما الإنكار المطلق أو التصفيق المطلق لا يدل إلا على عقول نتنة وضمائر خربة لا ترى الحق مهما بان أمامها كقرص الشمس ساطع، وحتى في الرياضة؛ لا يعني كونك عاشق لنادٍ بعينه أن تسفّه من النوادي الأخرى أو تتهم أتباعها ومريديها بالعيب والنقصان.

وفي مسألة تبني النظريات والأطر الاقتصادية، لا يجوز المصادرة على رؤية المتخصصين في هذا المجال أو حتى من تفكروا وبحثوا فناقشوا وفندوا أي من المذاهب الاقتصادية السائدة، ولا يمكن الانصهار الدائم في مذهب بعينه إن كان غير متسق مع مبادئ وقيم كل أمة حسبما تراه مناسبًا لمصلحتها ومعبراً عن أهدافها؛ فالرأسمالية التي تحاول أن تلتهم أي مذهب يخالفها انصهرت الأنظمة في فلكها في حين نرى الصين مستمسكة بمنهجها الاشتراكي وها هي الأولى اقتصاديًا على مستوى العالم، رغم اتباعها نهج شيطنة الاختلاف منذ زمن طويل.

وما أسعى إلى قوله؛ أن الاختلاف ظاهرة صحية وسمة طبيعية وهو من أسرار الخالق، وهو مقبول في كل شيء ما دام لم ينتج عنه سفك دماء أو الدعوة إلى ذلك، وحتى في الدين؛ لم يطلب منا الله تعالى إلا أن ندعوا إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة حيث قال “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”.

 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق