ثقافة وفنون

شفرة عمر جلاّب الكتابية أو لعبة كنز اللغة

«الأرضُ ترابٌ وماءٌ، الماءُ منهُ الخلق، التّرابُ موطنُ البدء، الرّوحُ بئرُ الكائن!».

قبل بضع سنوات، عرفت الأديب عمر جلاّب من خلال كتابه الأوّل «من عمق الجراح»، وقد كان الأمر بالنّسبة لي إشارةً إلى ظاهرةٍ إبداعية حقيقية، ولقد كان هذا الإحساس الأوّلي محفّزا على تأمّلٍ هادئٍ في الأسئلة التي يطرحها الأديب، ودافعًا للاقتراب أكثر فأكثر من عوالمه الإبداعية، التي تفترض قراءات وقرّاء من نوع خاص.

ها هو الأديب عمر جلاّب، يقدّم لنا شكلاً أدبيًا جديدًا موسومًا بـ«خريف الحبّ»، يتجاوز المستوى الفعلي المحدّد لخصوصيّات الجنس، ويجعل القارئ ينكب على العمل بطاقة مضاعفة، فأديبنا اجتهد في إنتاج نصٍ أدبيٍ ببنية تشكيلية ذات صفة نموذجية خاصّة؛ فهو يدعو المتلقّي إلى السّير عبر خطاطته الإنتاجية (Son schéma productif)، إلى الولوج لكنز اللّغة، والوعي بمستويات النّص، “سواء ذات البعد الماوراء لغوي السّابقة على التمظهر (البنية الأوّلية للدّلالة والسّردية عند غريماس)، أو ذات البعد الإظهاري اللّغوي القائم على استنباط المادّة الدّلالية (المتن الحكائي والمبنى الحكائي عن الشّكلانيين الرّوس، أو الحكاية والخطاب عند تودوروف)[1]“.

«رغبةُ الحُلم، رغبةُ الحُبّ، طريقُ الخلاص»

يعمل الأديب جلاّب في «خريف الحب» على الآليات والتقنيات بحرفية عالية، فهو الكاتب الجادّ المُجيد، لغته رصينة، وبورتريهاته كلوحات منقوشة، حالم في الكتابة، راغب في الحلم، راغب في الحبّ، يبحث عن التأصيل لمتن جديد، وجنس فريد.

كتب عمر جلاّب في خريفه انطلاقًا من تجربة الرّوح، وخبرة الحياة، فكانت كتابته تلك التّي تأتي من هناك، أو المكان الذّي أطلق عليه “سيجموند فرويد” اسم المشهد الآخر، كان المشهد مشاهد، والنّهاية نهايات لا تنتهي بنهاية مشهد، أو بورتريه، أو رسالة؛ بل بدايات مفتوحة على أخبار، وأفكار، وتساؤلات، وإشكاليّات. عمر جلاّب، رغب فأحبّ، وأحبّ فكتب، وكتب ليحثّنا على الرّغبة، والحبّ، والكتابة، ودخول لعبة المعنى، والانطلاق، والتحرّر، والفلسفة، والتّصوّف.

«العيشُ في الحُبّ تماما»..

في المشهد الثالث عشر، يقول أديبنا: «قلبُ الوجود، رُوحُه الحُبّ!»، ولن نفهم قول عمر حتّى نقرأ الأسفار التي قرأ، ونقطع المفاوز التي قطع، فالرّجل يدعونا لتأمّل المعاني عارية، مجرّدة، كما تتعرّى للوجود تلك الكتف البهيّة[2].

يمكن للكلام (اللّغة) أن يشفي، هكذا يعلّمنا عمر جلاّب، فهو لا يكتفي بمجرّد الوصف الجسدي، والنّفسي، والطّاقات الرّوحية، بل يتعدّى ذلك إلى اللاّوعي بوصفه مبنيا كأيّ كلام.

«خريفُ الحُبّ» هو لحظة دهشة عميقة، وغربة بعيدة، هو ضرب من الغرابة الجميلة، هو حالات موجودة وغير موجودة، في أماكن حقيقية وغير حقيقية، هو فضاء تتكوّن فيه التّجاذبات، رجلًا وامرأة، خالقًا ومخلوقًا)، والتّخالفات، اللّذة والألم، الزّمن واللاّزمن، البداية والنّهاية، النّهاية واللاّنهاية.

«لمن أوجّه السّؤال، أيّها الكون؟».

لو أفسح كثير من الأدباء المعاصرين -الذّين يكتبون باللّغة العربية- الطّريق للحقيقة كما فعل عمر جلاّب، وفعل قبله الكبار من أمثال محمود المسعدي، وجبران خليل جبران، ومي زيادة، وطه حسين، وعبّاس محمود العقّاد، وغيرهم من الروّاد، لكان الأدب العربيّ اليوم طليعيًا، وقويًا، وحيويًا، وذا أثر عظيم في نفوس الأجيال المتعاقبة، ولكانت التّهم البغيضة الغليظة قد سقطت أمام سدّ الأنوار، وتراجعت أمام قلوب بحجم الكون، ومحبّين بعظمة المحبّ.

عمر جلاّب، طلب منّا أن ندنو منه، أيّها القرّاء؛ فإنّ عنده نصيحة ثمينة، تعادل عنده زيارة المدينة الفاضلة، والنّزول بين ظَهْرانَيْ ساكنتها: «أخي: لا تقتل حبّي، وذي حبيبتي أسلمها إليك!»[3].

[1]  عبد اللطيف محفوظ، آليات إنتاج النص الروائي –نحو تصوّر سيميائي-، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2008، ص20-21

[2]  من كلام عمر جلاّب في «خريف الحبّ».

[3]  المشهد السّادس في «خريف الحبّ».

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أدامير

أحمد بلقمري خبير التوجيه والإرشاد المهني، صدر له كتاب: التوجيه المهني؛ دينامية مسيرة الحياة العملية عن دار خيال للنشر والترجمة (2020). كاتب صحفي وأديب، له عديد المقالات الصحفية في صحف عربية وجزائرية، وكذا إنتاجات أدبية مهمة. فاز بالجائزة الأولى للإذاعة الثقافية في القصة القصيرة سنة 2016. فاز بالجائزة الثانية في مسابقة صلاح هلال الأدبية للقصة القصيرة على مستوى الوطن العربي سنة 2014. فاز بالجائزة الثالثة لمسابقة التدوين الإلكتروني الثقافي في الوطن العربي، الجزائر سنة 2012.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق