ثقافة وفنون

شعر “المفضليات”.. قيمته وتاريخه الغابر

تعريف شعر المفضليات

يعتبر شعر المفضليات من أهم ما كتبه العرب قديماً، ومن أقدم ما وصلنا من الموروث الثقافي العربي القديم، وعرفت بالمفضليات نسبة إلى جامعها المفضل الضبي، حيث سماها بالمختارات الشعرية دون ترتيب، ولم يلتزم فيها أغراضا معينة، قال ابن النديم بعدما ذكر أن الضبي ألف الكتاب للمهدي العباسي “هي مائة وثمانية وعشرين قصيدة وقد تزيد وتنقص وتتقدم وتتأخر بحسب الرواة والصحيحة التي رواها عنه ابن الأعرابي”.

ومجموع شعراء المفضليات سبعة وستون شاعراً، منهم سبعة وأربعون شاعراً من شعراء الجاهلية، وأربعة عشر من المخضرمين، وستة من الإسلاميين، وقال المرزوقي: “وقع إجماع من النقاد على أنه لم يتفق في اختيارات المقطعات أنقى ما جمعه أبو تمام، ولا اختيارات المقصدات أو في مما دونه المفضل ونقده”، طبع الجزء الأول منه “ليبزج” سنة 1885م بعناية “توريكة”، ثم طبع كاملًا بمصر سنة 1324هـ بتصحيح وتعليق أبو بكر بن عمر الداغستاني.

أسباب تأليف الكتاب

لقد جاء بين طوايا أمهات المصادر القديمة التي تناولت دراسة شعر المفضليات أن أسباب تأليف الكتاب جاء برغبة من طلب الأمير منصور أب المهدي ولي العهد من الضبي تعليم ابنه، جاء في كتاب “مقاتل الطالبين” لأبي الفرج الأصفهاني أن المفضل الضبي قال: “كان إبراهيم بن عبد الله بن الحسن متواليًا عندي فكنت أخرج وأتركه، فقال لي إنك إذا خرجت ضاق صدري، فأخرج إلي شيئاً من كتبك أتفرج به، فأخرجت إليه كتبًا من الشعر، فاختار منها السبعين قصيدة التي صدرت اختيار الشعراء، ثم أتممت عليها باقي الكتاب”.

ويمكننا أن نقتبس المرحلة الثانية من تأليف الكتاب من “الفهرست” لابن النديم، وجاء فيه أنه خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فظفر به المنصور فعفى عنه وألزمه المهدي، وللمهدي عمل الأشعار المختارة المسماة المفضليات.

وتمثلت مرحلة الضم الجماعي كما جاء في كتاب “الأمالي” لابن علي القالي قال: “أملى علينا أبو عكرمة الضبي المفضليات من أولها إلى آخرها، وذكر أن المفضل أخرج منها ثمانين قصيدة، وقرأت على الأصمعي فصارت مائة وعشرين، قال أبو الحسن أخبرنا يا ثعلب، وهؤلاء كلهم بصريون من أصحاب الأصمعي، أخبروه أنهم قرأوا عليه المفضليات، ثم استقرأوا الشعر فأخذوا من كل شاعر خيار شعره وضموه إلى المفضليات، وسألوه عما فيه مما استكمل عليه من معاني الشعر وغريبه، فكثرت جدا”.

قيمة شعر المفضليات

تتجلى قيمة شعر المفضليات في أنها لقيت إقبالاً كبيرًا من طرف الشيوخ والتلاميذ الذين قاموا برواياتها وشرحها، وحسن الاستدلال بها في مجموعة من القضايا اللغوية، وتفسير الغريب وتوضيح المعاني لكونها تلك النصوص الشعرية هي نصوص أصيلة موثقة برواية المفضل الضبي، بحكم تمتعه بسمعة متميزة من الصدق والوثوقية.

وتتحدد الأمية لهاته المختارات كما جاء على لسان الأستاذ أمجد الطرابلسي، في كون مؤلفها قد ضمن في كتابه قصائد تامة غير ناقصة، على عكس ما نراه في المختارات اللاحقة التي اعتنت بالمقطعات القصيرة، بالإضافة إلى أن هذه المجموعة لا تتضمن سوى الأشعار القديمة، ومعظمها الشعر الجاهلي القديم، حيث أن هذه المجموعة من أقدم المجموعات الشعرية على الإطلاق.

وإذا رجعنا إلى تاريخ تأليفها حسب ما يمكن افتراضه فهو في سنة 160هـ ، باعتبار أن المهدي ولي العهد كان حديث السن لا يتجاوز عمره الثالثة عشر سنة حينما وضعت هذه الأشعار لأجل تربيته.

وقال أبو علي القالي برواية عن أبي عكرمة: “مر أبو جعفر المنصور بالمهدي وهو ينشد المفضل قصيدة المسيب بن علي التي أولها “أرحلت” وذكر القصيدة قال فلم يزل واقفاً من حيث لا يشعر به، حتى استوفى سماعها، ثم سار إلى مجلس له وأمر بإحضارهما، فحدث المفضل بوقوفه واستماعه لقصيدة المسيب واستحسانه إياها، وقال له لو عمدت إلى أشعار المقلين واخترت لكل شاعر أجود ما قال لكان لفتاك ذلك صوابًا”.

شروح المفضليات

بالنظر إلى القيمة الكبيرة التي حظيت بها المفضليات على امتداد العصور في الوسط اللغوي والموروث الثقافي العربي القديم، فإنها لقيت اهتمام الشراح بها، ومن أشهر من قام بشرحها وتفسير معانيها الشارح أبو بكر الأنباري، الذي طبع قديماً في المطبعة الكاثوليكية في أكسفورد عام 1808م بتحقيق جاريس لايل، وشرح التبريزي (توفي 502هـ) الذي باشر شرحها بعدما انتهى من شرح ديوان الحماسة، ومنه نسخة بخط في دار الكتب الوطنية بتونس، فرفرغ منها سنة 486هـ وبداخلها زيادات في طياتها بخطه.

منهج المفضليات

تكاد تجمع جل المصادر على أن المفضل الضبي لم يلتزم منهجاً محدداً في كتابه، بل اقتصر على منهج سرد عشوائي، دون أن يخضعها لترتيب زمني ولا بحسب موضوعات القصائد، وهذا السرد العشوائي هو الذي أعطاها منهجًا دون أن يكون ذلك مقصودًا.

كما أنه لم يعتمد في وضعها أهمية الشعراء أو أقدميتهم، ولا بحسب القوافي، وكتابه يخلو من المقدمة، والصواب هو وجوب كتابتها بعد الانتهاء من مضمون الكتاب، لأنه من المفترض أن يعرف فيها المنهج الذي اتبعه في التأليف، بالإضافة إلى أن القصائد التي جمعها في كتابه تامة غير ناقصة بشهادة جل الدارسين، وقد افتتح شعر المفضليات بالقصيدة الأولى لتأبط شراً، ومطلعها:

يَا عِيدَ مَالِك مِنْ شَوْقٍ وَإِيرَاقٍ وَمَر طَيْفٌ عَلَى الأَهْوَالِ طِرَاقٍ

الهوامش:
  • ديوان المفضليات لأبي العباس المفضل بن محمد الضبي؛ الطبعة الأولى، مطبعة الثقافة الدينية.
  • المفضليات “مقدمته” تحقيق أحمد شاكر وعبد السلام هارون دار المعارف القاهرة 1963.

اقرأ أيضًا : القصة الحقيقية وراء الرقصة الأفريقية التي غزت العالم

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق