سياسة وتاريخ

شعب العراق بين شقي الرحى

مسكين هو شعب العراق، فمنذ ابتلي بالغزو الأمريكي عام 2003 ولم يعرف للطمأنينة إحساساً ولا للراحة طعماً، وأضحت أرض بلاده ساحة للصراع وتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة صاحبة الأطماع المتعارضة في البوابة الشرقية للوطن العربي، خاصة الجار الفارسي الغادر والمحتل الأمريكي الجشع، واستبدل المحتلون حكم صدام الاستبدادي بحكم أسوأ بمراحل من حيث الاستبداد والفساد، والأهم من هذا وذاك ائتماره بأمر الخارج.

فبعد مدة من الهدوء الحذر الذي شاب العراق في أعقاب مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، والرد الإيراني المسرحي عليه، عاد التوتر ليلقي بظلاله على بلاد الرافدين، فقد قصفت قاعدة التاجي العسكرية التابعة للتحالف الدولي المحارب لتنظيم الدولة في الثاني عشر من الشهر الجاري؛ ما نتج عنه مقتل جنديين أمريكيين وثالث بريطاني، وبعد يومين جاء الرد الأمريكي على نفس الشاكلة.

قصفت القوات الأمريكية مواقع الفصائل الشيعية المنضوية تحت لواء الحشد الشعبي موقعة عدداً من الجرحى، وهو الرد الذي اعتبرته الخارجية الأمريكية كافياً على القصف الشيعي تنفيذاً لأوامر طهران، لكن هناك حدث آخر علينا قراءته جيداً لفهم واقع الأحداث المتشابك في العراق.

وقع ذلك التوتر الأخير بعد حدثين هامين:

الأول: اعتذار محمد توفيق علاوي مرشح التكتل الشيعي الحاكم عن تشكيل الحكومة، ملقياً الكرة في ملعب الرئاسة العراقية.

الثاني: زيارة رئيس مجلس الأمن القومي علي شمخاني لبغداد، وتشاوره مع عملاء طهران العراقيين حول تشكيل الحكومة، ثم تصريحه لاحقاً بمناقشته مع المسئولين العراقيين مسألة إخراج القوات الأجنبية المتواجدة في العراق.

شكل الحدث الأول تحدياً مقلقاً للولي الفقيه الذي يحرك ساسة عراق ما بعد صدام كأحجار الشطرنج، وفق ما تمليه المصالح الإيرانية في البلاد أو حتى الشرق الأوسط برمته، فتلك هي الصفعة الثالثة بل والأشد إيلاماً التي تتلقاها إيران في العراق من العراقيين وخلال أقل من عام، بعدما انتفض العراقيون على الاحتلال والتحكم الإيرانيين في مصير بلادهم بشكل لم يتوقعوه الإيرانيون المنهكون أساساً من تدخلاتهم في سوريا واليمن، فإذا بجبهة مشتعلة جديدة تستنزفهم وتزيد من متاعبهم المتفاقمة خلال مشوارهم المضني لاستعادة الامبراطورية الفارسية.

ورغم القتل وتدخل الحرس الثوري الإيراني لوأد ثورة أبناء الرافدين، أجبر شعب العراق عادل عبد المهدي عميل طهران المخلص خلال مظاهراتهم التي استمرت أقوى من ذي قبل على الاستقالة، والاحتكام فعلياً للمرة الأولى منذ الاحتلال للبرلمان العراقي الذي كانت تصدر له القرارات من ولي النعمة الفارسي، وتنحصر مهمة النواب المعينين فعلاً والمنتخبين قولاً بتحويل الأوامر إلى تشريعات وواقع ملموسين، وهو أمر عنى لنظام الملالي شيئاً واحداً:

نفوذنا في العراق يتآكل، والبلد الدائر في فلكنا منذ سبعة عشر عاماً يشق عصا الطاعة لنا.

حاول الإيرانيون رد اعتبارعم من خلال الطرح الأحمق الذي حمله شمخاني خلال زيارته، وهو احتمال من رابع المستحيلات تحقيقه؛ فإيران مهما كان نفوذها قوياً في منطقتنا المضطربة، فهي في النهاية قوة إقليمية لا تستطيع مناطحة القوى الغربية وفي القلب منها أمريكا، والولايات المتحدة مهما عانت على أيدي وكلاء المعممين، فلن تترك العراق صاحب الاحتياطي النفطي الثالث على مستوى العالم لتنهب إيران موارده وهي تشاهد ما يجري وهي مكتوفة اليدين.

ستتحدى إيران الولايات المتحدة بين الحين والآخر لكن دون خوض حرب تدمر البلاد، وستتحمل واشنطن تكبدها بعض الخسائر لكن دون أن تضحي بوكيلها الإيراني المخلص، وستعقدان صفقة على دماء وجماجم شعب العراق في غفلة مريبة من الأنظمة العربية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق