ثقافة و فنون
أحدث المقالات

شعبوية الكتابة عن العلاج النفسي: تساؤلات ونقد

إن ما يعني المقالة الحالية هو طرح تساؤلات حول ما يصل إلى يد القارئ من كتب مطبوعة يتم تقديمها بأنها كتب “علم نفس” أو كتب تتناول “العلاج النفسي” والاقتراب بنظرة متفحصة من عملية تراكم المعرفة وإنتاجها أو تخليقها في زمنٍ يتسم بالسيولة الشديدة سواء في تنوع مصادر الإتاحة للوصول لكم هائل من المعلومات بكبسة أزرار، أو ثراء ما يتم طرحه ومدى اقترابه من واقعٍ لدى أفراده احتياجًا مطردًا للبحث والتعلم والإقبال على ذلك المنحى من القراءة.

لا تهدف المقالة الحالية إلى هدم محاولات جادة لأصحابها بقدر ما أن اهتمامها ينصب على القارئ ذاته الذي يجلس متلقيًا “وعيًا” حول علم النفس أو العلاج النفسي الذي قد يتركه في حيرة من أمره، أو لربما يساعده على تلّمس طرق الشفاء باتخاذ القراءة سلمًا للتعافي أو لا أحد منهما فيمضي الكتاب بمحتواه نحو ذاكرة النسيان.

كيف تتشكل المعرفة؟

اعتمدت المجتمعات البدائية في نشأتها على ما يسمى ب”الطب الشعبي”، وهو عبارة عن خبرة شفاهية يتناقلها أفراد القبيلة/ المجتمع الواحد تعكس موروثهم الثقافي، معتقداتهم وأفكارهم السائدة، وكيفية تفاعلهم مع بيئتهم المحيطة لحل مشكلاتهم الصحية (تحديدًا الجسد). يقوم بتلك المهمة ما يطلق عليه “المعالج”، في قبائل الهنود الحمر له اسم محدد “shaman” أو “من ينادي على الروح المفقودة”. كان المعالج الشعبي -باختلاف تسمياته- يحصل على تلك المكانة بعد عبوره طقوس روحانية من أسلافه. في المجتمع المصري نفسه يظهر نفس المفهوم من خلال “راجل بركة” أو “عطار عنده وصفات بلدي متجربة”.

بتطور المجتمعات، أصبح العلم ضرورة كأداة للتطور لا يمكن الاستغناء عنها إلا إذا اختارت تلك المجتمعات الانعزال طواعية. بالرغم من استمرارية ممارسات “الطب الشعبي” إلا أنه يتم على استحياء وخفاء في وقتنا الحالي، بل يتم أيضًا تحت مسمى الطب البديل، فهنا لدينا إشارة واضحة أن لدينا “طبًا” له أسس ومختبرات، ونتائج وأبحاث يجب أن يعتد بها وإلا سنتحول إلى قبيلة في غابات الأمازون ينتظرون “مخلصهم” الذي يحمل في جعبته “شوية وصفات بلدي ترد الروح”.

ما علاقة ذلك بعلم النفس والعلاج النفسي؟ العلاج النفسي هو طب في جوهره.

يصل إلى أيدينا ثلاث أنواع من الكتابات عن/ من داخل الطب النفسي: عاملون بمجال العلاج النفسي (أطباء، أخصائين نفسيين)، أشخاص يروون تجاربهم الذاتية مع المرض النفسي، وترجمات من لغة إلى أخرى حول أحد الموضوعات الرئيسية في علم النفس.

تتجاوز المقالة الفئة الثالثة فالترجمة تقطع الطريق لمساءلة النص في عملية تشكل المعرفة. أما الكتابة الثانية فتأطير المحتوى داخل الخبرة الشخصية يجعل القارئ يقف دومًا على مسافة من المحتوى المكتوب، أما ما تفرزه نوع الكتابات الأولى على أيدي العاملين من داخل المجال نفسه، فهي محل المناقشة والمساءلة هنا في ضوء تزايد دوائر الاهتمام بما يقدم من خدمات في مجال العلاج النفسي.

الطبيب النفسي/ المعالج النفسي كاتبًا، لماذا؟

“لو أن شخصًا أنقذ من الغرق شخصًا آخر، فإنه سيكون عملًا عظيمًا بلا شك، لكن لو أنه بعد ذلك أعطى لذلك الشخص الذي تمّ إنقاذه على يديه اشتراكًا في دروس السباحة، فما هو الخير الذي سيتمخض عنه ذلك؟ لماذا يحاول المنقذ للآخرين أن يجعل الأمر بهذه البساطة بالنسبة لنفسه؟ لماذا يرغب في أن يواصل إلى الأبد إنقاذ الآخر بوجوده المستعد دائمًا”. بالرغم من أن ذلك التساؤل وضعه “كافكا” في أحد رسائله مخاطبًا “ميلينا” (كتاب بنفس العنوان- صفحة 195)، إلا أنه يتماثل مع تساؤلي الشخصي لماذا لا يضع طبيب العظام/ الأسنان/ الكبد على سبيل المثال على عاتقه تثقيف وتنوير وإيقاظ وعي “القراء” حول مرض تخصصه، بنفس القدر الذي نرى العاملون في العلاج النفسي يفعلون ذلك بكل أريحية.

إن إشكالية دخول الطبيب أو المعالج النفسي عوالم الكتابة، ليست بالأمر الجديد في الإنتاج المعرفي في ذلك التخصص تحديدًا لكنها تجدد نفس التساؤل.. ما المحتوى الذي يتم تقديمه؟ لدي قناعة ذاتية، كقارئ، أن كل طبيب نفسي يتصدى للكتابة من داخل تخصصه فهو يقع على عاتقه أن يخبر قراءه، هل نحن بصدد “خبرات شفاهية” أم نحن بصدد “علم” حقيقي؟ هل نحن نقف على عتبة “مضغ الكلام” وهو ما أشار إليه ألبرتو مانغويل في كتابه “مدينة الكلمات”: “بعض المجتمعات تميل إلى مضغ الكلام وإعادة تدويره كطفل يتعلم الحبو، يتعرف على العالم بترديد الصوت من حوله. بالرغم من ذلك فإن تلك المجتمعات لديها رغبة غير معلنة للتعافي”، أم يسعى لتأسيس منهجية واضحة في إتاحة محتوى ذو ثقة ومصداقية؟ هل ما يشهده مضمار الكتاب والنشر من تصاعد لكتابة “نفسية” باتت شيئا أقرب لـ “وصفات بلدي مجربة” من “عطّار” النفسية في المجتمع حاليًا أم أننا بصدد محاولات تجريب قد تتطور لاحقًا شريطة أن يستتبعها بل ويصاحبها وعى نقدي من شريحة كبيرة من القراء؟

الكتابة الفيسبوكوية ككتابة شعبوية:

يتيح الفيسبوك كوسيط إلكتروني مساحة تقترب في شكلها البدائي مع جلسات العلاج الجماعي أحد فنيات العلاج النفسي. يتم تشكيل المعرفة من خلاله كالتالي: يسرد أحدهم في المربع الضيق تساؤلاته أو خبراته الشخصية أو وجهة نظره الشخصية أو قراءاته، ومؤخرًا تشارك بعض الأطباء النفسيين اقتباسات مأخوذة من جلساتهم العلاجية. يقوم الآخرون (العابرون دورا يفرضه مستخدمي الموقع ذاته على الغرباء الذين يشكلون “عددًا” يصنع كرة ثلج، تتدحرج كرة الثلج عبر الكبس على أزرار الإعجاب أو المشاركة  بتداول وتناول نفس الخبرة. تتغلغل الخبرة ذاتها وتتأصل لتصبح جزء من الوعي الجمعي ليس لمستخدمي الوسيط ذاته بقدر ما يتطور الأمر إلى تجميع تلك الخبرات في وسائط أخرى “كتب” ونشرها ليصبح لدينا كما يسميه علماء اللغة corpus أو مادة مهولة يتم تصنيفها تحت مسمى “كتابات في العلاج النفسي أو من داخله”.

يتساءل البعض عن استخدام الفيسبوك ذاته كوسيط لتراكم المعرفة أو انتشارها، لا زال هذا المجال متروكًا للتقصي في مجال دراسات اللغة وعلم الاجتماع متقاطعة مع دراسة تطور استخدام التكنولوجيا. لكن حتى اللحظة الراهنة يتم اعتبار الفيسبوك “متنفسًا” ترفيهيا وفي أوقات أقل يتم ملاحظته كمختبر افتراضي لدينامكية التفاعل عبر الوسيط الرقمي، لكنه قطعًا لا يحمل الجدية التي يتطلبها البحث العلمي المؤسس.

ما هو مطروح للتساؤل، كيف تنتقل “بوستات” الفيسبوك ويتم تجميعها لتصبح “كتابًا” فيما بعد؟ وحتى إن لم تكن منشورة كبوست “مشاع” للعامة، هناك سمة تجمع الكتابة في الوقت الحالي آتية من سهولة النشر على الفيسبوك، ووهم الإقبال العددي على “محتوى بعينه، يؤدي إلى إغراء “نشر” محتوى يحتاج للمساءلة حول اقترابه من تأسيس علم أم صناعة وهم في مجال العلاج النفسي.

إن تشريح “القراء” أو استعراض الخبرات التي يتلقاها الطبيب النفسي في الجلسات المغلقة على المنصات الاجتماعية، يضع تساؤلًا حول خصوصية ما يقال في الجلسة العلاجية، فيشير بموضع عطب محتمل في ديناميكية التعافي بين المعالج وحالته حيث يتحول اهتمام المعالج إلى “جامع” عبارات “هتسمّع” مع الناس عوضًا عن التركيز على وجود إنساني هش يلجأ إليه للمساعدة.

كتابة من داخل علم النفس/ علاج نفسي أم تنمية بشرية (كوتشينج): تضليل أم تثقيف؟

لا أميل بشكل شخصي إلى القفز للانتصار لمعسكر فوق الآخر، فكل مجال له قواعده ومعاييره المؤسِسة وكذلك الاحتياج لوجوده وتطويره على منحى النمو النفسي للفرد وللمجموعة. لكن أرى كتبًا تتأرجح بين كونها مجرد “مساعدة ذاتية” بينما يصر أصحابها على تصنيفها ك”كتابات في العلاج النفسي”. الفصل والتمييز بين نوع وجودة المعرفة المقدمة من خلالها من الأهمية بمكان لأن العلاج النفسي هو بمثابة عملية جراحية للروح الإنسانية، لا يمكن أن يتصدى لها سوى من تمّ الاعتراف بمهارته في الاقتراب من الجرح، كما أنه لا يمكن على أي وجه من الأوجه الإدعاء أن الكتابة “عن” الجراحة ستكسب أصابعك الحرفية لممارسة التشريح المجاني للقراء. قد نسمع أصواتًا مطالبة بمزيد من التثقيف والتوعية بالعلاج النفسي وأهميته في اللحظة الراهنة من مجتمعنا، وبقدر ما تبدو النوايا طيبةإلا أنها يمكن أن تمنح ضوءًا أخر لتمرير ضلالات معرفية والمساهمة في صناعة الوهم ب”مضغ الكلام” عن العلاج النفسي دون إنتاج معرفة حقيقية. وهذا ما يطلق عليه تحديدًا “العلم الزائف” أو ما “يشبه العلم”pseudoscience وهو عدم الخضوع لأسس البحث العلمي وقواعده المعترف بها، فيتحول لدينا الأمر إلى “مادة كلامية” هائلة  تختبيء خلف جمل تفتتح بقولها “الأبحاث بتقول، العلم بيقول، الدراسات بتقول..” بينما لا شيء من ذلك سوى نفخ فقاعة الوهم.

يمكننا تمييز الكتب التي تتناول العلاج النفسي عن كتب المساعدة الذاتية، أن الأخيرة يمكن أن يطلق عليها المثل الإنجليزي الدارج: too much candy, fewer carrots أي إغراق في سرد “عبارات وجمل تشعرك بالشبع المؤقت،ثم تتركك جائعًا”.

كيف يحدث ذلك؟

في علم النفس ما يسمى بعلاج الإيحاء placebo، وهي تجربة شهيرة تمّ ملاحظة مدى تعافي بعض المرضى إثر منحهم بعض الأقراص بعد أن تمّ إخبارهم أن هذا دواء معملي جديد وفي حقيقة الأمر لم يكن سوى بعض الفيتامينات. وفقًا للتجربة، لقد شهد المرض لدى هؤلاء الأشخاص تحسنًا “وهميًا”. يمكن القياس على ذلك في خطورة تبسيط الكتابة وتسطيحها في علم النفس والعلاج النفسي إذ أنها تمنح القاريء “قوة” لحظية، شفاءًا “وهميًا”، ماء مخلوط بسكر ليسد جوع قد يتطلب سنوات ممتدة لمعرفة أصوله وجدوره، وليس من السهولة على الإطلاق الإشارة إليه عبر سرد عدد من “الحكايات المسلية” باللغة البسيطة.

إن الدعوات التي تؤسس لها تلك الكتابات نحو “تنوير/ تثقيف” القارئ أراها مراوغة لأنك ببساطة حين تذهب عنك سكرة القراءة لا تجد شيئًا متأصل بجذور ولا معول في أيدينا نتحرك به لتكسير “حوائط” حجبت عنا الرؤية أو الوعي أو التنوير، مجرد كلمات مرصوصة بجانب بعضها البعض لتبدو امتدادًا لثقافة مجتمعنا في الكتابة على حوائط المدرسة  “مدرستنا جميلة نظيفة متطورة” بينما هناك عالم مهول متشابك وغاية في التعقيد، لا يكن السبيل إليه هو طمأنة العابر أن كل شيء على ما يرام، المهم أنت “تقرا الكتاب ده وهتبقى زي الفل”، بل ويزيد على ذلك أن من يقوم بذلك التسطيح هو “من يقع على عاتقهم الاصلاح” أو يرُجى منهم، أو هكذا نظن.

الخطورة التالية، قد تكون على عكس التسطيح وهي رغبة بعض المعالجين/ الأطباء في “نكأ” الجراح الدفينة. الجرح النفسي لا يختلف عن الجرح الجسدي في احتياجه لوجود بيئة آمنة “معقمة” لفتحه واستكمال مسيرة تعافيه الكاملة وإلا ستصبح العاقبة وخيمة.

كيف يحدث ذلك؟ يتم ذلك باستعراض العديد من المعلومات أو ممارسة فعل “التعرية” أو إغراق القارئ بتوصيفات قد يشعر بعضها أنه حتمًا ولا بد يتقاطع مع أحدها. يكتب إليك الطبيب منتصرًا “أنا أراك الآن وأنت تقرأ تلك السطور، لقد وجدت نفسك في ذلك الوصف”. إن استعراض “الشطارة” في تشخيص من لا تراه سوى عبر سرد “حكايات” تصلح لمشاهد درامية، ليس هو دور الطبيب الكاتب، إلا إذا أدرك المعالج أنه يريد أن “ينكش ويجري”. خطورة ذلك، أن لحظة تفتح الوعى هى لحظة غاية في الإيلام والقسوة يصفها البعض كمن يفتح عينيه في ضوء غامر، قد تصيب البعض بدرجات متفاوتة أو قد لا تصيبهم غير أن حضور لحظة الكشف في حياة القاريء دون وجود تساؤل حول مدى استعداديته للتلقي، مدى جهوزيته لاستكمال الحياة بعد أن “يعرف”، هل كان لديه “اختيارًا بالفعل لأن “يعرف” كل ذلك أمر شديد الهشاشة. لا يكفي ان أخبرك أنك طيلة حياتك “تعرضت لإساءة من أحد الوالدين” على سبيل المثال، أُغرقك بالتشخيص، أُشير إليك ب “اسم” المرض كما تذكره الكتب المتخصصة، أتركك وحيدًا تتخبط كيف ستتعايش مع من تراهم ألحقوا بك الأذى من ناحية، وكيف ستخطو خطوة واحدة أبعد، أو لربما كيف تتخلص من المعرفة وألمها بالكلية. لا يجب أن يُفهم من ذلك الدعوة للتجهيل أو ممارسة التجريف المعرفي، أو تحميلًا للكتب- كأحد مسارات بناء المعرفة الذاتية- في ذلك المجال فوق ما تحتمل، احتمالية واردة، غير أني أود هنا إلى أن أشير أن هناك خلطًا شديدًا يستوجب التوقف بين ما يريد العاملون في مجال العلاج النفسي من تقديمه من خلال وسيط الكتابة، وبين ما يقومون به بالفعل في نطاق “أكل عيشهم” في عياداتهم أو مستشفياتهم التي تخضع للمراجعة والمراقبة.

ويمكن طرح المسألة من زاوية أخرى، أي دور يلعبه “المعالج النفسي” حين يكتب. لا نجيب بل نتركه مفتوحًا للكشف بما يحفظ للقارئ حقه بالوقوف على  مسافة كافية للحفاظ على سلامه وأمانه النفسي في المقام الأول. سنتناول ذلك بالتفصيل عند التحدث عن سلطة الطبيب الكاتب.

هل الكتابة عن علم النفس/ العلاج النفسي تعني فقط تبسيط اللغة؟

دائمًا ما يكن لدينا أصواتًا تطالب ب”تبسيط العلم”، وفي حقيقة الأمر أتشكك كثيرًا في مثل تلك الأصوات لأن العلم في جوهره متعة خالصة مؤلمة في بعض الأوقات من الركض خلف الأسئلة كما فعلت أليس حين ركضت خلف أرنبها في مغامراتها الشهيرة، لكنه يظل ممتعًا وقادمًا من ديناميكية الفهم والكشف التي تضع الباحث في تساؤل دائم بل وتواضع يجعله دائمًا في حالة تشكك من كل ما يمكن أن يصل إليه بالرغم من تفرغه للبحث والملاحظة سنوات ممتدة. أتصو ر- وقد أكون خاطئة- أن الرغبة في “تبسيط العلم” بالرغم من نواياها الطيبة هى امتداد أيضًا لثقافة “حطلي أي حاجة في الرغيف علشان جعان”. خطورة تلك المسألة من جهة المتلقي/ القارئ أنه حين ينصاع لدعوات تبسيط العلم فإنه يحرم نفسه من جرعة حقيقية، يستحقها تحترم عقله وتصعد بمستويات وعيه إلى عتبة أعلى، كما أنها تشير بشكل ضمني أنه لا مسؤولية على الكاتب على الإطلاق يمكنه أن يتقمص دور “الشعراوي” أو “مصطفى محمود” طالما حافظ على إيقاع مناسب في الاحتفاظ بانتباه القارئ وسط “بهارات القصص المشطشطة” وبين تضمين “نص ديني” كلما استلزم الأمرليقطع الطريق على أية ذرة شك من القاريء وإلا سيتم نعته بعدم الإيمان. لا ينكر أحدنا ما للاسمين (الشعراوي ومحمود) من شعبية طاغية في الثقافة المصرية تحديداً  وضعتهم في مرتبة فوق المساءلة، لكنها تظل شعبوية تنتمي لجيل لم يكن لديه نفس مصادراللحظة الراهنة أو القدرة على الإطلاع و تفنيد كل ما يمر به، وتمييز فقاعات الوهم اللذيذ.

إن استخدام اللغة العامية أو اللغة الفصحى – من وجهة نظري- ليس العائق نحو فهم علم النفس إجمالًا أو العلاج النفسي تحديدًا، هناك تجارب شديدة التخصص يتم عرضها من خلال الترجمة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية وتطرح قدرًا يحترم عقل القاريء بل ويشده شدًا لكي ينمو تصاعديًا مع الكتاب. إن اللغة كأداة ليست هي محور العراك حول أهمية الكتابة من داخل علم النفس وطبيعتها، في حقيقة الأمرلا يؤخذ على من يستخدم اللغة العامية أو الشفاهية  ذلك. لكنه من ناحية أخرى، لا يجب الزج باللغة العامية في محاولات تبسيط العلم، في تلك النقطة تحديدًا يجب أن ينصب اهتمامنا حول المحتوى المقدم وهل هناك إنتاج لمعرفة أصيلة متجذرة في أسس العلم ونابعة من مختبر علم النفس الإكلينكي الذي يقدمه الباحث/ المدون/ الكاتب/ الطبيب وهذا يقودنا إلى تساؤل آخر طالما تمّ الترويج له، القاريء العادي والقاريء الغير عادي؟

ما طبيعة القارئ؟

كثيرا ما يتم الإشارة إلى القراء كجمهور غير مرئي وتصنيفهم قارئ عادي أو قارئ متخصص، في حقيقة الأمر لا يهمني على الإطلاق ذلك التصنيف الضيق.من ناحية أخرى، أود طرح إشكالية تمس العاملين في مجال العلاج النفسي تحديدًا، ألا وهى: طبيعة الآخر. الآخر هنا هو ذلك التراث الشعبوي المتأصل في رغبة البعض في معالجة “نفسك بنفسك”، وإن امتلكت بعض مهارات البحث على الانترنت، تمنحك القراءة والإطلاع “وهم” المعرفة غير المجربة التي تحيلك إلى إغراء “الفتى” بل ما هو أكثر من ذلك، لا تعد زيارة الطبيب النفسي على قائمة أولويات شريحة كبيرة من مجتمعنا لأسباب عدة لربما تستحق الدراسة لاحقًا. فكيف إذن وهناك محتوى “يشبع” تلك الرغبة في “معالجة” الجروح النفسية دون الرجوع لأهل الاختصاص والثقة لمجرد أن ذلك المحتوى لم يتم فرزه جيدًا.

لا زلتُ أُثمّن محاولات الاجتهاد والتعلم والتوثيق الفردي، لكني أجدها – من وجهة نظري- تضر أكثر ما تفيد الصورة الكلية للعلاج النفسي بأبعاده المتشابكة المعقدة، بل ضررها يقع على المعالج النفسي على عكس ما يظن.

سلطة الطبيب أم دور الكاتب؟

إن تقديم الكاتب نفسه كطبيب نفسي يجعلني كقارئ أرتبك أمام المحتوى وأساءله. هل حين يذكر الطبيب الكاتب مؤهلاته يريد أن يمارس سلطة ما أنه “يعرف” وأنه “يكتب” لأنه يعرف، أم هو بصدد تقديم إنتاجه الأصيل المعرفي في مجاله عن طريق الكتابة ولا يهم أي لغة يختارها أو أي وسيط، فلربما يلجأ للأدب على سبيل المثال. ولكى أخطو خطوة عبر هذا التشوش، قمت بقراءة شخصية لأربع كتب ل “أطباء نفسيين” يدلفون عالم الكتابة بدافع الفضول والنهم الشخصي المحض: الكتاب الأحمر لكارل يونغ، كتاب “دراما الطفل الموهوب” للطبيبة أليس ميللر، كتاب “التعافي من الصدمة”: بيتر لافين، كتاب: الجسد يتذكر الندبة للطبيب باسل فان دي كوك. إذا ما سيتم تصنيفي قبل القراءة، فأنا لست “قارئة متخصصة”، يمكن بكل أريحية ان يتم لصق “قاريء عادي” على مقدمة جبهتي. إن ما دفعني للبحث والنبش خلف تلك الكتب، ما وجدته في قراءة تلك الكتب الأربع السمات التالية:

  • يقوم الكاتب الطبيب بتقديم نفسه كطبيب ذاكرًا المدرسة العلاجية التي يختبرها في كتابه الحالي في أول صفحة من كتابه بما يساعدك على تأطير كل ما ستقرأه لاحقًا في ضوء “تجربته” و”سياقه”. هذا ليس تشوشًا أو حشوًا غير ضروري للقاريء “العادي”، في حقيقة الأمر إذا ارتضى الطبيب أن يقدم نفسه كطبيب وليس ككاتب، فأرى أنه من حقي كقاريء أن تخبرني أكثر “ما مدرستك العلاجية؟”. إن الاكتفاء باخبارنا أننا أمام طبيب نفسي، ليس بكافٍ، لأنه قد يثير لدى القاريء تساؤلًا، هل لأنك طبيب نفسي “انت تكتب لأنك تعرف وتخبرنا أنك تعرف”. العاملون ومتلقي الخدمة العلاجية يعلمون بضرورة التعريف بذلك. قد تكون تلك الخطوة التعريفية أحد أخلاقيات الجلسة العلاجية، لكنها تصبح ضرورة لا يمكن التغاضي عنها في الكتابة من داخل علم النفس. إذا كان الطبيب النفسي في الجلسة العلاجية يرى “حالته” أمامه، فهو حين يكتب مطالب بأن يرى أبعد من “حالته” ومن خلالها أيًضًا. لا يتعارض ذلك مع ما يطلق عليها “القاريء العادي”. حين يصبح الكتاب في متناول الجميع، فلا مكان للتمييز بين القراء لكن هناك إمكانية للتمييز في جودة العمل بين يديك.
  • تتسم تلك الكتابات بحضور إنساني، الطبيب يخبرنا بتجربته الشخصية مع “العلاج النفسي”، أليس ميللر تقدم نفسها كمريضة ثم كطبيبة درست سنوات وفق مدرسة التحليل النفسي لفرويد، ثم تمردت عليها. كقاريء أرى بوضوح حينئذ أين يقف الكاتب من مسرح التجربة. الكتاب الحمر لكارل يونغ، بالرغم من كونه كتاب يوميات وتمّ نشره بعد وفاته، إلا أنه يكشف لك جانبًا إنسانيًا ل”يونغ” أبعد من كونه طبيبًا نفسيًا لامعًا في تخصصه، حتى انك لتهوي شفقة من هول ما دوّنه في مذكراته ورحلته الذاتية. بيتر لافين ودي كوك يتشاركون معنا لحظات الارتباك والتشويش في عملهم الذي امتد لسنوات دون أن يلجأوا لمنح كبسولات “علاجية” مباشرة بالرغم من أن وقت كتابتهم الكتب المذكورة استكملوا تجربتهم بعدة سنوات.
  • يمتد الجانب الإنساني في الكتابة ليشمل كيف نتناول “الحالات”، فالأمر ليس استعراضًا جافًا لمعلومات متخصصة، بقدر ما ستحمله بكل مهنية وصدق وعدالة لقصة أصبحتُ ترويها الآن ليس بصوت من كان منذ بضعة ساعات/ أيام/ سنوات معالجًا بقدر ما ستمنحها تدفقًا محميًا بمعايير المهنية والخصوصية، ويمنح القاريء أيضًا صورة ذهنية قريبة لا استسهال فيها، لا إضفاء دراما لا تنميط لقالب جاهز بإطلاق صورة كاريكتورية لا سبيل لمعرفة حدوثها أم لا، لا استعجال لختم القصة كمن يروي حدوتة قبل النوم بالقفز على “حكمة العدد”. فيصبح لدينا الفرصة لأن نكتشف بمفردنا الثغرة، لأن نرى التطور في المرض النفسي سلوكًا ولغة وديناميكية ليس بين المعالج وحالته ولكن تتعدى ذلك لتشمل ما يضيفه متغير التعلم عبر الزمن أيضَا وتراكم المعرفة.
  • لا تشير أي من الكتب المذكورة و لا تخبر القاريء بما يتوجب عليه فعله، لا تنصحه أو تحلله أو تملي عليه تصرفات بعينها. تأتي الكتابة لتجعلك تتسائل، تلاحظ، تتمهل، تبطىء إيقاع الفعل لتمنح إمكانية للتأمل وتفتح الوعى وتجذره.

خاتمة..

هل يتوقف “العاملون في مجال العلاج النفسي” عن الكتابة؟ بالطبع لا .

دون محاولتهم واجتهاداتهم لم يكن لدينا النسيج الحالي من اللغة أو المحتوى أو خلق حالة جدلية حول ما نحب أو ما نود أن نحب قراءته، غير أنه كعلاقة ديالكتية بين قارئ نهم مهتم وبين ما يطرحه السوق من كتابات ك”منتج معرفي”، لا أملك سوى الرصد والملاحظة ثم المساءلة مع الاحتفاظ بمسافة آمنة لأن ينبت بداخلي وعيًا نقديًا لكل ما يُطرح.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق