مدونات

شظايا الذات في زمن الإنترنت

على غرار إنسان 2019 يتسمر المواطن العربي أمام شاشة التلفاز، يعبث بجهاز الكمبيوتر خاصته متنقلا بين مختلف المواقع الالكترونية، أو يطرق برأسه على هاتفه الذكي ليلج فضاءات التواصل الاجتماعي من فيسبوك و تويتر أو يوتيوب… يعلق تارة أو ينكز بإعجاب أو استياء تارة أخرى، يقضي معظم وقته راضيا أو ساخطا مؤيدا أو معارضا أو حاشرا برأيه في كل صغيرة وكبيرة، كل و مشربه الثقافي وخلفيته الفكرية، سواء كان بسيطا ساذجا أو متشدقا غرا أو عبقريا فذا، والكثير طبعا يعد نفسه من الفئة الثالثة، و منهم غير الواعين بالكم الهائل من الأفكار و الإيديولوجيات والتيارات الجارفة القابعة خلف تلك الصورة أو ذلك الفيديو، والأموال الضخمة التي تصرف لأغراض سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية عبر هذه الفضاءات.

عواصف تكنولوجية

تجر حبال شبكة الانترنت هذا الإنسان إلى مواجهة  تحديات جسام وعواصف تكنولوجية عاتية تغذيها مظاهر العولمة بشتى أشكالها، فالتطور الرهيب الذي تشهده مختلف وسائل الاتصال والبرمجيات، أصبحت تطرح أسئلة ملحة على إنسان هذا الزمان أسئلة الهوية وأسئلة السيادة والاقتصاد وتساؤلات الدين والعقيدة والعالم العربي لا ينأى بذاته عن هذه التغيرات بل هو جزء رئيسي فيها يتأثر كثيرا ولكن نادرا ما يؤثر فهل سيقوى المواطن العربي على مجابهة هذه التحولات المتسارعة؟ وأي آليات مناعية تتخذ في هذا الشأن؟

اقتصادنا سيادتنا

تزايد نفوذ عمالقة الشركات التكنولوجية كفيسبوك وغوغل بالكم الهائل من البيانات الشخصية التي تملكها بالموازاة مع تغول الشركات متعددة الجنسيات يضطرنا للتساؤل: ماذا بقي لنا من سيادتنا؟ وهل فعلا نحن نقبع تحت حكم الدولة الكلاسيكية؟ أم أن النظام العالمي الجديد قد أحكم قبضته عليها وما تلك التصريحات المتنطعة بالسيادة و الأمن القومي إلا أوهام تتداولها الشعوب المقهورة كما يعيش رجل تحت تأثير الأفيون يسبح في بركة ماء في عز الشتاء يخيل إليه انه داخل منتجع سياحي على جزيرة استوائية في عز الصيف.

الدين والعقيدة

تتوغل موجات الإلحاد في كيان الوطن العربي والتي تمر مرور الكرام دون وعي من المختصين، ودون دراسة جدية، وآليات مناعية ضد التيارات والموجات التي يولدها التوفر الهائل للمعلومة، وسهولة النفاذ إليها، فأصبح لسان الإلحاد يصدح به في مختلف مواقع التواصل لاجتماعي وفي المقابل وعلى النقيض من ذلك، تنتعش مزارع التطرف ومشاتل الإرهاب، التي تستغل لتنفيذ أجندات سياسية واقتصادية دولية ومحلية في مفارقة تزيد من بؤس المشهد العربي، وتدل على تحولات راديكالية وغير متزنة تزيد في تهديد التماسك الهش أصلا للمجتمعات العربية.

تشظي المجتمعات

هل الانفلات من سلطة المجتمع والعائلة التي انتشرت مؤخرا في بلدان الخليج خاصة كقضية الفتاة أم القنون ومثيلاتها، والدول العربية عامة ليست إلا مؤشرا من المؤشرات الكثيرة على أن الشاب العربي ليس إلا ورقة في مهب الريح مأخوذا بالحضارة الغربية، هذا الشاب الذي في كثير من الأحيان أصبح منفصما في ذاته، يتدين بتطرف أو يلحد بمبالغة, تائها يبحث عن هويته وحريته الفكرية والدينية وكذلك السياسية والاجتماعية في روافد الانترنت المختلفة .

رب ضارة نافعة

ولكن في خضم هذا التطور الهائل في البرمجيات وسهولة التواصل والذي أنتجته الانترنت وبالمقابل من ذلك، ألا يمكن اعتبار هذه الصدمات ظاهرة صحية توحي بتحرر العقل العربي فيصبح بذلك المواطن أكثر حرية في التفكير واقدر على التعبير وبالتالي فهي بشائر للتغيير, تغيير العقل العربي  لتتحرك فيه تلك المياه الراكدة  فيتبلور هذا العقل بعد موجات التطرف، فهامش الحرية الرهيب الذي توفره هذه التكنولوجيات الحديثة قد تساهم في تفكيك الذات العربية لإعادة بناءها فينتقل الإنسان العربي من مرحلة الهزات الأشبه بمرحلة الطفولة إن صح التعبير إلى مرحلة النضج والتوازن فيصبح أكثر مناعة في وجه الموجات الحضارية المستمرة والمتزايدة وربما يذهب إلى أبعد من ذلك ليكون فاعلا ومؤثرا بعد ما كان متأثرا.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق