مدونات

شابٌ على حافة الربع قرن

لم يولد من أمٍ عذارء كالسيدة مريم، ولم يأتِ الدنيا ضاحكاً، ولم يوافق يوم ميلاده حدثًا تاريخيًا، طفولة عادية؛ تربى بين الشارع والكُتَّاب، وهنا كانت المحاولة الأولى لحفظ القرآن الكريم؛ ليُصبح مثل هذا الشيخ الذي كان عظيماً في عينيه، طفلٌ ظن أنه حدد هدفه وأقسم أنه لن يحيد عنه، ولكن مع بلوغه السادسة والذهاب إلى السرح التعليمي “المدرسة”، وتنوع الدراسات كاللغة الأجنبية والحساب، ومع تَقَدُم السن وتَفَتُح العقل واستقبال المزيد من العلم، حَادَ الفتى عن هدفه، أو لنَقُل لم يحدده بعد.

في المرحلة الإعدادية، وجد المُعَلمون طالباً يضاهيهم، كان مرجعاً لزملائه في المدرسة، بداية من القراءة، والدخول إلى عالم سحري، فمثلاً سلسلة “رجل المستحيل” للعبقري نبيل فاروق، ولكنه حينها لم يهتم للكاتب ولا لأسلوبه، فقد كان شغله الشاغل أن يصبح بطلاً كأدهم صبري؛ يتحدث جميع اللغات، وتُعجَب به الفتيات، وبارع في فنون القتال، هذا هو الشخص الذي تمنى أن يكونه.

أدهم صبري شخصية خيالية، ولكن الساحر رونالدينهو يبهر العالم بمهارته في كرة القدم، وأيضًا المصري محمد أبو تريكة، سيكون لاعباً عظيماً مثلهم، وفي ظل هذا الصراع لمحاولة الوصول للقمة، تارة يجد نفسه صلاح الدين وأنه سيحرر القدس مرة ثانية، وتارةً عمر بن الخطاب ويملأ الدنيا عدلاً، وتارةً أخرى بطل أسطوري، أو كاتب مشهور، أو لاعب كرة قدم، أو حتى كالممثل الذي أنقذ العالم في فيلم حاز على الأوسكار، تاه الفتى وأي تيهٍ، ليجد نفسه في المرحلة الثانوية، والجميع يطمح هنالك أن يدخل كلية الطب.

لحظة لمَّا سَرَحَ بالخيال والبُعد، فالقُدُوة والمجد أقرب ما يمكن له، أبيه الاسم الأكبر داخل بلدته ومصدر الفخر له ولأخوته، فهو يعمل مديراً لأحد البنوك، وله قصة نجاح كبيرة في الحياة تصل لدرجة الإلهام، حسناً سيُصبح يوماً مثله أو يدنو منه قليلاً، وهذه المرة لا حياد عن الطريق، ما بين المذاكرة والصلاة كان الحلم قاب قوسين أو أدنى من أن يُحَقق، ولكن يا أسفاه وقع ما لا يتحكم فيه أوقعه وأخجله أمام حلمه، إنها تقلبات الحياة وعِنادها!

أضاعت عليه حلمه، هُدَّت الدنيا وكَبَتْ بهمومها عليه ومن يعول ضعفك يا ولدي!

لم يتحدى الصدمة ولم يقاوم وأظنه لو فعل لهَلَكْ، تركَ نفسه لأمواج الدنيا ترميه بين الخطأ تارة والصواب تارة أخرى، وما زال الحلم صَوْبَ عينيه، ليُخِرج ما في قلبه على الأوراق، ويكتب وظن أنه كاتب عظيم لو قرأ له الناس لعظموه، فمنهم من سيشبهه بمصطفى محمود، ومنهم سيشبه الرافعي به، وهو يرى نفسه في العقاد، ولو قرأ له طه حسين لكتب سيرته الذاتية دونه، ولكن هيهات هيهات، لا زال حلم الوصول للقمة يراوده، لا هدف ولا طريق ولا غاية ولا أي شيء سوى الأمل واليقين بالوصول، لم يرَ نفسه في شيء سوى أن يكون عظيماً، يتحدث عنه العالم حتى بعد موته، فهو الآن يحاول حفظ القرآن كي يكون عالماً للأمة يفيض عليها بغذارة علمه، ويذاكر في الطب رُبما يَخترع علاجاً للسرطان، ويلعب الكرة ليكون أفضل من لَمَسها، ويحلم بأن يُنقذ العالم، ويكتب ليعترف القلم بعظمته، وماذا بعد؟!

سنتين إلا بضعة أيام ويتم ربع قرن من عمره، ولم يصل للقمة ولم يجد الطريق، هل انتهى في محاولة البحث؟ أم يجده يوماً ما على يقين أن التاريخ سيذكره جيداً؟ أنتم فقط تذكروا هذه الكلمات.

هذه الكلمات التي قد تكون بمثابة رثاءٍ لهذا الحلم الذي لم يصل له بعد، لتُخْرِجوها إن مات قبل أن يصل، وتتذكروا أن هناك شاباً كان يحلم منذ نعومة أظافره بتحقيق المجد الشخصي الذي يصبو إليه، والذي يَفْخَرْ به أهله ويتباهى به أصدقائه، لكن سيبقى عزاؤه الوحيد أن تكتبوا على قبره مات وهو يَحلُم، لتحققوا مقولة أن المقابر عامرة بأحلام لم تُحَقَقْ، ومواهب لم تُكشَف.

سيموت تاركًا الحُلم حُلماً يسعى خلفه أصدقاؤه وأبناء عمومته، وتاركاً طريقًا سلكه الكثير لكن كانت الظروف تحول عائقاً بينهم وبين أحلامهم، ترك لكم هذه الكلمات لتبحثوا عن أحلام حقيقة، ولا تَنْجَرِفوا خلف أُمْنِياتٍ زائفة.

مات الشاب وتَرك هذه الكلمات التي كتبت على إحدى الأوراق، تلك الكلمات التي احتفظت برونقها وحيويتها وجمال معانيها، رغم مرور الأعوام وتَبَدُل الأحوال، لكن لم يعلم هذا الشاب قبل أن يحكم على نفسه بفشل الوصول وبالإعدام النفسي كعقاب لذلك، إن الربع قرن فترة لا تكفي لتحقيق الأحلام، لم يعلم أنها فترة الإعداد لتحقيق الأمنيات، مات الشاب ككل من ماتوا وهم يجهلون الحقيقة كاملة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أسامة شعبان

لا اليأس ثوبي، ولا الأمراض تكسرني، ولا الأحزان تكسرني.... جرحي عنيدٌ بلسع النار يلتئمُ

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق