أسلوب حياة

سِر «العالم الغريب».. قصة طفلين سُرقت حياتهم منهم

بدت طفولة بولين داكين في كندا سنة 1970 مليئةً بالأسرار، الاضطرابات والمُفاجأت الغير سارة عن العالم الغريب ولم يكن مسموح لها بالتحدث عن حياة عائلتها مع أي شخص كان- ولم يتغير شيء حتى أتمت عامها الـ23، عندها عرفت السِر.

كان هُناك شَيئاً غير مُعتاد دائماً عَن عائلة بولين داكين. “كُنت أنا وأخي دائماً نتسائل، ماذا تَعتقد هي مُشكلة عائلتنا؟ لِماذا نحنُ غَريبون بِهذا الشكل؟”، لكن تلك الأسئلة كانت لُغز لا يُجيبه أحد.

أبوّي بولين، وارين وروث، انفصلا عندما كانت في الخامسة من عُمرها، في أجازة الصيف قبل بداية الدراسة. وارين، رجل أعمال ناجح، كان مُدمن لِشُرب الخمر وكان أحياناً يصل بهِ الأمر للاعتداء عليهم في المنزل واستمر هذا حتى لم تَقدِر روث على تحمُل المزيد.

عندما كانت بولين في السابعة من عُمرها، أخذتهُم روث – هي وأخاها- في عُطلة إلى مدينة ويني بيج في كندا، التي تبعُد عَن مَنزلهم في فانكوفر أكثر من 1600 كيلومتر. عندما وصلوا بِخير، قالت لهم إنهم لن يعودوا لمنزلهم مرة ثانية.

وقالت بولين معلقةً على نبأ الانفصال: “أمي حتى لم توّدِع أبي، بل بشكل مُفاجئ قطعت العلاقة”.

العالم الغريب
وارين، روث، تيد وبولين عام 1969.

عِندما كانت تسأل أُمها لِماذا فَعَلتْ هكذا، لم تُعطها أبداً أي تفسير، مشيرةً إلى أنها “كانت فقط تقول، أنا آسفة، لا أستطيع  إخبارك الآن، فقط عندما تكبرين.”

نفس الشيء تكرر بعد أربع سنوات، ولكن هذه المرة انتقلت العائلة إلى نيو برانسويك، على ساحل كندا الشرقي.

بعيداً عن ذلك، كانت الحياة العائلية لـ بولين طبيعية جداً، كانوا يبدأون من جديد ويبنوا حياة جديدة في مكان مختلف. ولكن تحت السطح كانت تشعر بولين بالحيرة، والقلق وبالإكتئاب أحياناً.

تقول بولين: “كُنت أعلم أن شيئاً ما لم يكن على ما يُرام”، مضيفةً: “لم أكن أعرف ما هو بالضبط ولكني كُنت دائماً أشعر بشيءٍ عميقٍ مؤلم لا أستطيع وصفُه.”

عندما بَلَغت بولين عامها الأحد عشر، كانت قد مرت بالفعل على ستة مدارس مُختلفة وكان اتصالها بوالدها تلاشى.

العالم الغريب
مع أمها وأخاها في حفل تخرجها من جامعة نيو برنسويك عام 1987.

في ذلك الحين، دخل رجُل آخر دخل حياة عائلتها الصغيرة، وهو واعظ مسيحي اسمه ستان سيرز. والدة بولين قد تعرّفت على ستان في مجموعة مُساندة لأسر مُدمني الكحول – كان يعمل ستان كمُقدم مشورة في ذلك الوقت وكانت روث قد ذهبت له عندما كانت تعاني من إدمان والد بولين وتُفكر في ترك المنزل.

في كل مرة كانت عائلة بولين تختفي وتظهر في مدينة جديدة، كانت عائلة ستان لسبب ما، تظهر في المنزل المقابل.

“إذاً إن كان هناك سراً ما، فهما الاثنين مُشتركين فيه، كنت أعلم ذلك”، قالت بولين، لافتةً إلى أنه عندما وصلوا نيو برنسويك بدأوا في الدخول في المجتمع وتكوين صداقات.

بحلول عام 1988، كان عُمر بولين ثلاثاً وعِشرون عام، كانت قد تخرجت من الجامعة وتعمل في صحيفة محلية في مدينة سانت جون، ودون مُقدمات اتصلت والدتها عليها في يوم وقدمت لها عرضاً.

خاطبتها والدتها قائلة،”بولين، أنا مُستعدة لأشرح لكي كل شئ الآن.”

بولين كانت ستُقابل روث أمام فُندق صغير، يعتبر نقطة التقاء بين المدينتين التي يعيش كُلاً مِنهُم فِيها. عندما وصلت، روث وضعت مظروف فارغ وورقة عليها ملحوظة في يَد بولين.

الورقة كان مكتوب فيها،” لا تفتحي فمك بكلمة. ضعي كل جواهرك في المظروف الفارغ. سأشرح لكِ، ولكن الآن نفذي دون كلام.”

“كان أكثر شئ غريب مررت به في حياتي” قالت بولين، “سألت نفسي، هل حقًا هذه أمي؟ وماذا تفعل بالضبط؟ ولكن نفذت أوامِرها.”

اقتادتها أمها لغرفة في الفُندق الصغير، وعندما دخلت بولين تفاجأت بوجود ستان سيرز في انتظارهم.

ستان وروث حَكوا لبولين الحكاية كاملة، طيلة السنين الستة عشر الماضية كانوا يختبئون جميعهم من المافيا، كانت المافيا تريد تصفيتهم لأن والد بولين، وارين، كان مشترك في تنظيم إجرامي.

كان يجب أن يجعلوها تتخلص من مجوهراتها لئلا يكون مزروع فيهم جهاز تصنُت.

العالم الغريب
وارين داكين كان رجل أعمال ناجح.

“كان أمر يصعُب تصديقه”، قالت بولين. “لكني أتذكر شعور بالرعُب تملكني عندما خطر في بالي أن هذا شئ لا يُمكننا الهروب منه.”

بدأ ستان في الشرح، القصة بدأت عندما ذهب إلى ستان أحد رؤساء المافيا طالباً منه تقديم المشورة، لأن رئيس المافيا ذاك قرر أن يتوب عن حياتُه الإجرامية. وعندما اكتشفت العصابة أن رجُلهم كَسر اتفاق السرية الذي بينهم وذهب إلى ستان قاموا باغتياله وبعدها بدأوا بمحاولة التخلص من ستان لأنه كان يعرف الكثير عنهم.

بعدها بفترة، عندما عملت روث كاسكرتيرة في الكنيسة عند ستان – وكانت زوجة أحد رجالهم – أصبحت هي أيضاً هدفاً لهُم.

“بعدها قيل لي، إن كُلاً منا يتعقبُه أحد من على بُعد، ليضمن سلامتنا”، وقالت بولين أيضاً، “كانت هُناك مُحاولات عِدة لخطفنا، أو تسميمنا أو قتلنا ولكن هؤلاء العُملاء السريين استطاعوا حمايتنا على مر هذه السنين.”

لقد أعياني الخوف والحزن
وشعرت أن حياتي أصبحت مدمرة

بالإضافة إلى الرجال الذين يعملون مع الحكومة لحماية الأسرة، كان هُناك مُدن وقُرى مُختلفة معروفة سِراً إنها الأماكن التي يذهب إليها كُل مَنْ هو تحت تهديد من المافيا ليحصل على الحماية. كانت تُسمى تِلك الأماكن “العالم الغريب”.

بعد سنين من الهروب، قررت أم بولين أن تُسلم نفسها للعيش في إحدى المدن تلك، من أجل الحماية. كانت ذاهبة للاختفاء من جديد.

أما ستان فكان يحيا في إحدى المدن بالفعل اسمها الحركي “مكان الأمل”، وكان يحيا هُناك بدون زوجته لأنها رفضت أن تذهب معه. هو الآن يعمل مع العملاء السريين التابعون “للعالم الغريب”.

العالم الغريب
بولين وهي عمرها 23 عام.

ستان وروث قالوا لبولين ان هذه هي فُرصتهم ليكونوا معاً بعد طول انتظار، فلقد أحب أحدهم الآخر لسنين طويلة ولكنه لم يكن هناك وقت مُناسب لمشاعرهم.

بولين كانت مصدومة، كان هذا الكثيراً عليها استيعابها. “لقد أعياني الخوف والحزن وشعرت أن حياتي أصبحت مدمرة”.

قضت بولين عُطلة نهاية الأسبوع تسمع لقصص ستان وروث، التي فسّرت الكثير من الأشياء الغريبة التي رأتها طيلة حياتها، مثل المرة التي عادت فيها للمنزل لتجد أمها ترمي كل الطعام الموجود في الثلاجة في القمامة.

“ما قالته لي أمي يومها، إن هذا الطعام انتهت صلاحيته، ولكني أتذكر نفسي أفكر، الكاتشاب والمسطردة لا تنتهي صلاحيتهم، كثير من الأشياء التي كانت في الثلاجة صلاحيتها طويلة الأمد، فلماذا تصرفت أمي هكذا؟”.

كان في ذلك الوقت، إن هُناك خبر وصل إلى ستان إنهم يُحاولون تسميمهم لذلك كان يجب التخلُص من كُل الطعام.

في مرة أخرى في منتصف الأسبوع ذهبوا للتنزه والتخييم، وقضوا الليلة في فُندق بعيد، حينها كان ستان وصله خبر أن المافيا أرسلت أحد لقتلهم وكان يجب أن يختفوا لمدة يوم أو يومين.

هناك أيضًا اليوم التي أخذت روث بولين وأخاها من المدرسة ليذهبوا ليلعبوا البولينج، ويوم آخر عندما عادوا للمنزل وركضت بهم أمهم ليغسلوا أقدامهم جيداً ويلبسوا كيس بلاستيكي فوق جواربهم لباقي اليوم.

كل قصة غريبة وحادثة غير مفهومة كان لها تفسير مُمنهج وخلفُه خطر تم إنقاذنهم منه.

“رغم صعوبة التصديق أخذ التفسير يُعلل الأجزاء الغريبة في كل قصص حياتنا ويضعهم في رواية متكررة ذات نمط واحد”، قالت بولين.

العالم الغريب
ستان وروث في رحلة تخييم عام 1990.

عندما حان موعد رحيل بولين استأذنها ستان ليضع جهاز إرسال في سيارتها حتى يتثنى “للرجال الأخيار” ليتتبعوها ويتأكدوا أنها في أمان دائماً، وأعطاها أيضاً جهاز راديو صغير (ترانزيستور) يقدر على بث إشارة إستغاثة إن احتاجت بولين للمُساعدة.

“لقد حذرني ستان: لا تستخدمي الجهاز إلا في الحالات القصوى، عندما تكون حياتك معرضة للخطر، لأنهم سيستجيبوا في الحال ويعرضوا حياتهم من أجلك.”

بعد كل ما عرفته، عادت بولين لحياتها، لمنزلها وحبيبها ولعملها في محاولة لإعادة ترميم نفسها ولكنها كانت في صراع لا ينتهي، وكان خوفها من كل شيء يزداد يوم بعد يوم.

كانت قلقة طوال الوقت، تحاول أن ترى إن كان هناك من يلاحقها دومًا، وصار صعبا عليها جدًا أن تأكل في مطعم لئلا يضع أحد السُم لها في الطعام. رتبت بولين أكثر من خطة هروب استعدادًا لأي هجوم على منزلها، وكانت تتعامل مع هاتف منزلها طول الوقت على أنه مُراقب.

بعد ذلك بفترة، تواصل ستان وروث أخبراها بالمزيد من المعلومات المُرعبة عن “العالم الغريب”، منها مثلاً أن كثير من الناس الذين يعرفونهم ليسوا هم نفس الناس في الحقيقة.

“الحكاية أن بعض الناس الذين كانوا في حياتي منذ الطفولة كان لهم علاقة بالتنظيمات الإجرامية، وهؤلاء الناس قد تم اغتيالهم، اعتقالهم او اختفوا، وتم استبدالهم بنُسخ مُطابقة لهم”، قالت بولين.

“أحيانا كانوا هؤلاء النسخ تابعين للـ “رجال الأخيار”، وأحيانًا كانوا تابعين للـ “رجال الأشرار”، كان من المستحيل معرفة لصالح من يعملون بالفعل. كنت أحيا وسط عالم من الجاسوسية.”

النسُخ، كما شرح ستان، قضوا شهوراً في دراسة فيديوهات عن الناس الأصليين، حتى يستطيعوا أن يكونوا مُقنعين، وخضعوا بعدها لعمليات تجميل ولإضافات من متخصصوا مكياج حتى ينجح تنكُرهم.

قابلت بولين هؤلاء النُسخ في مناسبات عدة. مثلًا في يوم زفاف أخيها، قابلت بولين أباها وعمتها لأول مرة بعد وقت طويل. الاثنين، كما قيل لها، كانوا نُسخ.

“أمي كانت حزينة جدًا طيلة الفرح لأن أختها، حسبما عرفت، لم تكن أختها بالفعل”، وتتذكر بولين أن في ذلك اليوم، كانت أمها تقول باستمرار: “أنظر لأصابع أقدامها، كيف يمكن أن يقلد أحداً أصابع أقدام شخص أخر؟”.

تذكرت بولين أيضًا أباها في يوم الزفاف، أباها عنده حسنة مميزة جانب بؤبؤ عينه، تسائلت كيف يُمكن أن يكونوا قلدوها بهذا الشكل.

“ولكن عندما قلت ذلك لستان، قال لي إن ذلك الرجل، نسخة والدي، ألبسوه عدسة لازقة تُحاكي عين أباها، وقد فعلوا كذا، وقلدوا كذا بطريقة كذا، كان دائما هناك تفسير منطقي لكل شئ.” قالت بولين.

بولين ووالدتها أيضا قد استقبلوا عشرات الجوابات من أناس من “العالم الغريب” ـ مثلا من أباها ومن مُربيها، الذي كانوا مسجونين في سجن سري للغاية، كما قال لهم ستان. خط يدهم كان يبدو دائمًا كالحقيقي، والجوابات كانت مليئة بقصص شخصية وخاصة للغاية.

كانت الرسائل مُقنعة بشكل غير طبيعي. “مَنْ على سطح الارض عنده الوقت ليكتب هذه الجوابات ويبذل فيها هذا المجهود، إن لم تكن حقيقية؟ ” تسأءلت بولين.

العالم الغريب
مقتطف من إحدى الجوابات التي تم إرسالها لـ بولين وروث من “العالم الغريب”.

رغم إنها كانت تُعاني من الشكوك طول الوقت، لكن بولين كانت دائمًا تُذّكر نفسها أن مصدر معلوماتها هذه هما أكثر اثنان تثق بهم في العالم، أمها وستان.

“لا أنكر، القصة كانت شديدة الغرابة، وكنت أعاني لأجل تصديقها بالكامل”، قالت بولين،” ولكن إن لم أثق بهما، فبمن سأثق إذاً؟”

بدأت بولين تشعر أن عملها كصحفية تغطي أخبار مجلس المدرسة أو مجلس المدينة ليست فكرة سديدة بما أن حياتها معرضة للخطر. ولإنها تعهدت بالسرية عن العالم الغريب لقد وضعت حدود فاصلة بينها وبين الجميع بما فيهم حبيبها.

“بدأت أفكر، أنا لا أستطيع أن أستمر في حياتي بهذا الشكل”، فقررت بولين أن تذهب وتنضم لأمها.

لقد قال ستان لبولين إن هناك مهام تستطيع القيام بها إن انضمت لهُم (يقصد العالم الغريب)، وأن هناك مجتمع من أناس طيبون ستستمتع بالتعرف عليهم وأن تكون في وسطهم. كان يبني ستان بيت ريفي له ولأمها وقال لها إنه باستطاعته أن يُدبر لها بيتاً أيضًا وبدأ يأخذ رأيها في عينات من السِجاد و يُريها صوراً لحِصان سيكون في انتظارها في منزلها الجديد.

واستقالت بولين من عملها، باعت المنزل التي كانت تسكُن فيه، وانفصلت عن حبيبها. لقد انتقلت لمكان اسمه هاليفاكس في نوفا سكوتيا، ولقد وجدت عملاً جديداً وسكناً لها ولأمها وكانوا ينتظرون أن ينتهي ستان من تحضيراته لينضموا له.

“لقد قيل لنا إن هناك تهديدات موجهة لعائلاتنا الممتدة وإن أختفينا من جديد بشكل مفاجئ سيتم استهدافهم جميعاً وتصفيتهم”، قالت بولين.

“العُملاء السريون كانوا يقولون لنا – من خلال ستان – إن العصابة عندها شعور إننا نُخطط للاختفاء مُجدداً وكانوا يهددون بقتلنا. لذلك كنا دائما في حالة ترقب.”

العالم الغريب
بولين يوم زفافها في عام 1990، مع ستان.

تعرفت بولين على كيفن، الذي سيصبح بعد حين زوجها. ستان هو من رافقها لعريسها في يوم الزفاف – لم تستطع بالطبع ان تدعوا والدها الحقيقي – كيفن تم إطلاعُه على سرهم العظيم. ووافق كيفن أيضاً أن يرافقهم لـ “العالم الغريب” عندما ينتقلوا اليه.

لكن الوقت لم يكن مُناسبًا أبداً للذهاب. في عام 1993، بعد خمس أعوام من معرفتها بالسر، كانت شكوك بولين وصلت لذروتها.

“كنت في حرب مع نفسي لا تهدأ من كثرة الشكوك، وأردت ان أجد أي دليل يؤكد لي أني مخطئة أو على صواب”، قالت بولين.

قررت بولين أن تنفذ خطة في وقت كانت تعرف جيداً أن ستان يتصل على أمها فيه. “اتصلت على أمي وقلت لها،” هناك شخص في المنزل، كيف أتصرف؟”. قالت لها أم بولين،” سأسأل صديقنا وأعود لكي بالجواب.”

ستان كان حذرهم سابقاً ألا يذهبوا بأي شئ غريب يحدث للشرطة، فالشرطة لا يمكن الوثوق بها، ولكن عليهم أن يخبروه هو، فهو يملك جهاز في محفظته يستطيع استقبال رسائل من العملاء الموثوق بهم.

“الرسائل كانت تصل إلى ستان في هيئة شفرة سرية عبارة عن نقاط وخطوط، وكان يجلس ستان بورقة وقلم يفك الشفرة”، قالت بولين.

بعد بضع دقائق، عاودت روث الاتصال على بولين. “كنت مرعوبة جدًا، فبعد لحظات سأكتشف حقيقة هذا المأزق الفظيع الذي كنت أعيش فيه”، قالت بولين.

قالت روث لن أستطيع أن أخبرك على الهاتف، عليكي أن تأتي لمنزلي على الفور.

في حال وصولها، جلست بولين تستمع لروث وستان وهي مرعوبة مما تسمع، قالوا لها، لقد تم الإمساك باثنين كانوا يحملون صور لها في أول شارع منزلها، وأنهم كانوا يتتبعونها وقد دخلوا المنزل يبحثون عن شيئاً ما.

“عندما قالت ذلك علمت أن الأمر برمته ليس سوى خُدعة”، قالت بولين. “لأنه لم يكن هناك أي إقتحام، أنا اختلقت الأمر.”

“إنها كانت اللحظة التي اكتشفت فيها ان كل العلاقات المقطوعة، كل الهروب المحموم، وكل الغرابة التي عشناها، لم تكن أكثر من كذبة.”

بولين كانت مصدومة وغاضبة للغاية ولم تتمكن قبل مرور أسبوع بمواجهة والدتها. عندما فعلت، كانت روث حزينة ومرعوبة، ليس بسبب تصديقها لبولين بل بسبب خوفها عليها، لأنها إن تركتهم بسبب هذا الأمر ستكون حياتها في خطر.

عندما واجهت بولين ستان قال لها إن بالتأكيد هناك خطأ ما؛ التقرير الذي وصله عن الرجال الذين فتشوا منزلها غير صحيح وأنه لن يترك الأمر دون تحقيق رسمي لما حدث.

“ما أتذكره عن تلك الليلة، إن ستان كان حزيناً جداً”، قالت بولين،”لأن بعد هذا لن أعود واحدة من أعضاء العالم الغريب.”

قضت بولين شهوراً في محاولة إقناع والدتها أن ستان يكذب عليها، وكانت أمها تحاول إقناعها بأنها مُخطئة. ولم يُقنع أحدهم الآخر.

“لقد كُنت غاضبة وناقمة وكارهة لستان، وأكتشفت اني أكرهه منذ وقت طويل،” قالت بولين،”كنت مقتنعة أيضاً أن أمي ليست مشتركة فهذه الخدعة. ستان هو من يكذب ويختلق كل هذا، ولكن لماذا؟ ”

أثناء محاولتي للوصول لإجابة بدأت في مقابلة طبيب نفسي.

قلت له،” ماذا تعتقد؟ هو بكل وضوح ليس مريض شيزوفرنيا ولا يعاني من أي اضطراب. هو رجل محترم وموظف جيد في عمله. الجميع يشهد له ويحترمه، فما الأمر إذاً؟”.

اقترح الطبيب النفسي أن يكون ستان يعاني من مرض اسمه “الاختلال المشترك”، هذا المرض عبارة عن متلازمة فيها أعراض التوّهم تنتقل من شخصية قوية ومتحكمة (ستان)، إلى شخصية ضعيفة وسلبية (روث).

بولين ووالدها وارين عادوا للتواصل من جديد بعد كل هذه السنين ولكنه كان يعاني من الإنفيزيما (انتفاخ الرئة) وكان قد عاد للشُرب من جديد.

“فكرت كثيراً أن أقول له كل شيء”، قالت بولين، “ولكن لم أرى أي فائدة من ذلك، القصة ستغضبه وهو مريض، فما الفائدة؟”

علاقة بولين بوالدتها لم تتعافى بشكل كامل أبدًا ولكنها تحسنت عندما كوّنت بولين أسرة.

العالم الغريب
بولين مع بناتها.

“عندما أنجبت بناتي كل شئ تغير”، قالت بولين، “لأنهم صاروا نقطة تركيزنا وتقديمنا للحب.”

روث أصيبت بالمرض الخبيث، الذي أدي بحياتها في عام 2010. لكنها قضّت آخر تسعة شهور في حياتها برفقة بولين.

“لم أكن غفرت لها بالكامل في ذلك الوقت، لكننا كنا نعلم أنه ليس الوقت المناسب لتصفية الحسابات”، تقول بولين،” كان علينا أن نتعايش مع ما حدث واستطعنا أن نفعل ذلك.”

روث استمرت في تصديق قصة ستان، حتى بعد موته وانقطاع الرسائل القادمة من “العالم الغريب”، لم يكن هناك أي حكايات جديدة عن نشاط المافيا، وصار لا شك أن كل ذلك كان قصة من خيال ستان.

“قبل موتها بوقت قصير طلبت مني توّخي الحذر”، تتذكر بولين. “وأنا أخبرتها أني لست بحاجة إلى الحذر أكثر من أي شخص عادي.”

“فردّت عليا، إن كنتي مازلتي لا تصدقيني يا بولي فإذًا بالتأكيد أنت تكرهينني بسبب كل ما حدث”، وأنا أجبتها، “لا لم أكرهك، كنت غاضبة منك فقط، ولكني بالتأكيد أحبك.”

بولين وأخاها تيد.
بولين وأخاها تيد.

بينما كانت بولين تحاول أن تفهم بعد، لماذا أخترع ستان هذه الخُدعة، رأت بالصدفة مقال طبي عن مرض يسمى الاضطراب الوهمي (البارنويا سابقا).

“عندما قرأت المقال، وجدت أن الكلام يصف بدقة ستان، شخص يبدو طبيعياً في كل أمور حياته، ولكنه يتوهم ويرى خيالات”، قالت بولين.

تواصلت بولين مع كاتب المقال العلمي، كان طبيبًا نفسيًا من جامعة هارفارد. كان متحمسًا جدًا ليسمع قصتها. ستان كان عنده كل الأعراض التي تصف حالة الاضطراب الوهامي، قال الطبيب. وطبيب آخر، خبير في هذا المرض، وافقهم الرأي.

الوصول لسبب ما فعله ستان جعل بولين قادرة على التصالح مع كل مرت به في طفولتها ولكن بالطبع معرفة هذه الحقيقة لم تصلح شيء مما فعله ستان لها ولعائلتها. “أشعر بالحزن الشديد على أمي”، قالت بولين.

“لقد كانت حياتها صعبة وكانت ضعيفة أمام ستان، لقد كان ستان مهذبًا ويعتني بها – ولكن للأسف كان أيضًا يرى أوهامًا فظيعة. “وأنا أشعر بلأسى لي ولأخي أيضًا – نحن طفلين سُرقت حياتهم منهم.”

عملت بولين داكين لسنين طويلة في محطة البث الوطني في كندا (CBC) ، وهي الآن مُدرس مساعد في “مدرسة الصحافة” في جامعة كينج كوليدج. هي أيضًا مؤلفة لكتاب تم نشره يحكي قصة طفولتها بالكامل.*

لمشاهدة المقال الاصلي التي تمت ترجمته اضغط هنا

 

 

 

 

 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ريمون بحر

كاتب/طبيب أسنان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق