مدونات

سُنّة الحياة

تتشكّل المساكن وتتقارب بسرعة فائقة.

تصعد المباني والطوابق باتجاه السماء تتويجا وختاما لمرحلة من العمر قد انتهت وانتهى معها بيت الاُجداد و تهدّم.

يبلغ الصراع الذاتي نقطة لا يمكن معها العودة إلى دائرة النقاش.

أيّام قد تتوالد فتصبح أشهرا فسنوات تمارس من خلالها لعنة التصادم والخصومات. أُخْوة في مهبّ الريح.. فرّقتهم الأيّام دون دافع حقيقي للانزلاق خلف كلام الناس وحديث الجدران وتتبّع زلّات الحروف والكلمات.. غير تعلّة بالية اسمها “سُنّة الحياة”.

هل يمكن العودة إلى بيت الأجداد؟ هل يمكن أن يتحوّل الخوف والحبّ وتقاسم رغيف الخبز والإحساس بنفس المصير إلى عداء وخلافات؟

لأجل ماذا كلّ هذا! إنّها سنّة الحياة!!

أيها السّاكن أجزاء القلب، العابر ممرّات الدم. أيّها الممتدّ مع عروق الجسم، المرتوي من ذات الثدي. بكم نشتري منك عودة الحبّ والودّ؟

هذا المرور الجاف في صمت.. أهو الإصرار على عدم الإنجاب أم هو عشق للمسافة بين الأرض والشمس. أم هو صوم عن الكلام وعن الهمس؟

عودي أيّتها الذات إلى مكانك الأصلي وارتوي من نهر الماضي صورا وحكايات.. لقد كرهت الطريق المعبّد وأناقة الثوب وهذا المكان المرتّب وسكون الفضاء من حولي وعزمت النبش في الماضي والذكريات. أيمكن أن أعود كما كنت؟

لقد عجزنا اُن نتطوّر في جمعنا حتى نؤسس بيت تعاضد لا تقترب منه الهزّات ولا تهدّه المكائد ولا يستميل لدموع صاحبة الجلالة ولا يخضع تحت سلطة نظرات الحسّاد. بل الحقيقة اُُُنّنا تغيّرنا أو بالأحرى تناثرنا  منذ قست قلوبنا فمضينا في طريق الحياة كلانا يعدو  بمفرده و يتسلّق جدار القرارات والتصورات..يركض في صحراء سراب وعقارب وقطّاع طرق من غير معول وسلاح.

بعد كل هذه السنين التي مرّت وبياض الشيب يزورك غصبا منبثقا من وجع الدنيا كأنّه الضّيف الثقيل الظلّ و الغير مرغوب فيه. تتغيّر الطباع فجأة وتنقلب.. تتحوّل الرسوم والصور الفوتوغرافية والأسماء وتتشكّل مع الوقت كوابيس لا تستحي من الظلم..

مع ذلك أظلّ كالمهموم أتغنّى وسط الرصيف و أدندن ملطّخا بحمّى الأحزان وهائما اعدّ الخلائق واقلّبها.. حزن الوحدة و الرحيل يهدّدني مع كل سنة تمرّ ومع كلّ مسافر لا يعود. تضيق الدنيا بي وتنحصر والطريق هنا أشبه بأوراق الخريف تتساقط من حولي لكنّي اسلكه وامضي أدندن في ذاتي واصرخ.. لقد تركوك كحصان سباق أصيل تعطّب.

رائحة التخوم تنبعث مع شخير الريح تريد الرحيل بأفكاري وسرقة تعبي كجاسوس سرّي. هذا الطريق المنزلق يعجّ بالخفافيش والأشباح كالخيال وصدى الموت والفراق ضباب يقتل الرؤيا ويزرع الأرواح. سنوات العمر تمضي يسكنها وجع الغدر والنسيان والقهر.. سنوات تقضّيها في خدمة الأرض والحجر فيلهيك التصفيق والكذب عن معدن القرط. إلى أن تلطمك الأمواج وتتخطّاك كأنّك صرصار تطلب الزاد في فصل الشتاء والمطر.

نقطة سوداء تجْثُم على الطباع وتتغذّى بالريح وتنتفخ  فتتحوّل من ظلّ إلى ظليل إلى رؤية شاملة إلى إستراتيجية حياة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

ابراهيم الشخّاري

كاتب تونسي ورجل قانون يسافر باستمرار بين البحث في الجريمة وبين عشق الطبيعة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى