علوم وصحة

سيكولوجية مرور الزمن: الإطار الزمني للدورة الحياتية للإنسان

إنّ مفهوم مرور الزمن هي فكرة شغلت الفلاسفة لوقتٍ طويل، حيث كان مفهوم الزمن ومرور الوقت حالةً غامضةً ومثيرةً للتفكير؛ فالإنسان يعيش في إطارٍ زماني ومكاني لا يمكن تخطّي حدوده، وهذا الإطار يحدّد كيفيّة حياته وسلوكاته وتفكيره.

الفرد يعيش عمره بشكلٍ تصاعدي، ففي طفولته لا يُدرك مفهوم الوقت، ويظهر ذلك بشكلٍ جليّ حيث لا يفهم الأطفال معنى الوقت والساعة والتفريق بين الأمس والغد، وعندما يصل الولد إلى مرحلة البلوغ يصبح واعياً لفكرة الوقت، فيتذكّر سنوات طفولته دون أن يشعر حقيقةً بكيفيّة مرور الزمن، وهو يحتاج لبضع سنوات حتى يخرج من الحالة النفسية الطفليّة التي رافقته طوال سنوات، حيث تكون فترة المراهقة مرحلة انتقالية ما بين الطفولة والرشد.

تستمر المراهقة فترةً زمنيةً غير ثابتة، بعدها ينتقل الفرد إلى حالة الرشد الواقعي ولكنه يتطور تدريجياً في تفكيره وسلوكه حتى يصبح ناضجاً، وهذه المرحلة تحتاج لسنوات طوال، من بعدها يجد الفرد نفسه في حالةٍ من التقدّم بالسن، إنما لا يعي نفسياً تلك الحالة إلا بعد المرور بالكثير من الحالات والمواقف الفيزيقية والفكرية والنفسية قبل الدخول بمرحلة الشيخوخة.

إذن فالحالة النفسية لكل مرحلة عمريّة تسير بنسقٍ تدريجيٍ تصاعدي، وهي مراحل متسلسلة غير منفصلة، تتخلّلها سنوات انتقالية بين مرحلةٍ وأخرى، وهي سنوات تحضيريّة على الصعيد العقلي والنفسي للتغيّر من حالة عمريّة إلى أخرى، فالاعتياد على مرحلةٍ عمريّةٍ يترافق مع أسلوبٍ معيّنٍ في التفكير والتصرّف يتطلّب وقتاً لتغييره، والانتقال نحو مستوً جديد من النمط الحياتي.

الفروقات بين الرجل والمرأة بالنسبة لسيكولوجية مرور الزمن

هناك العديد من الفروق بين الرجل والمرأة على صعيد الشعور بالتغيّرات الزمنية، حيث نلاحظ أن الذكر لا ينضج بسرعةٍ مثل الأنثى؛ فهو يبقى لفترةٍ أطول في مرحلة الطفولة من ثم في المراهقة، بينما تدخل الفتاة مرحلة الرشد قبل الشاب، كما أنّ التغيّرات الجسدية التي تحكم طبيعة المرأة تجعلها على وعيٍ أكثر من الرجل بمسألة مرور الزمن، خاصةً في مرحلة العمر المتقدّم التي تترافق مع حدَث انقطاع الطمث لديها، وهو حدثٌ له أثرٌ نفسيٌ كبيرٌ على المرأة؛ حيث يُعتبر دليلًا جسديًا لا مفر منه على تقدّمها بالسن؛ ولهذا السبب نرى أن النساء أكثر تأثّراً بمرور الوقت من الرجل الذي قد لا يشعر بذلك حتى سنوات متأخرة من عمره، عندما تظهر لديه علامات جسدية على ذلك.

إنكار المتغيّرات المرتبطة بالتقدم بالسن

يوجد العديد من العوامل التي تجعل الفرد في حالة إنكارٍ لمُتغيرات تقدّمه بالسن، ولكن مهما كانت أسباب هذا الإنكار فهي تدلّ على عدم تقبّل الفرد وعدم تكيّفه مع المسار الطبيعي للدورة الحياتيّة، وبالتالي عدم التصالح مع فكرة السيرورة الزمنيّة، وهو يعبّر من الناحية النفسية عن حالة صراعيّة تتضمّن شعور عدم الإشباع والتثبيت في حالة نفسية وزمنية محدّدة، ولكن هذا الأمر قد لا يكون اضطراباً بالمعنى الحقيقي الواقعي، فالمرأة التي تسعى للحفاظ على جمالها وبشرتها ولياقتها مع العمر كي لا يظهر عليها الكِبَر بشكلٍ واضح، لا يمكن اعتبارها مضطربة، بل هو دافعٌ إيجابيٌ للحياة، ولكن يوجد نوع من الإنكار المُترافق مع سلوكات وطريقة تفكير غير متناسبة على الإطلاق مع المرحلة العمريّة للفرد، والتي تتضمّن أيضاً مشاعر الإحباط عند الاضطرار للتواجه مع الواقع، هذه الحالة تعبّر عن اضطراب لدى الشخص في التأقلم مع الحياة.

هناك الكثير من الناس الذين يتصرّفون وكأنّ الزمن والعمر لا يعنيهم، ويوصفون بأنّ لديهم طاقةً إيجابيةً، هؤلاء الأفراد يختلفون فيما بينهم على صعيد الصحة النفسية، فإن كانوا فعلاً يشعرون بعدم التأثّر بمرور السنين ويشعورن بطاقة إيجابية ويحتفظون بروح الشباب وبالحالة الذهنية والجسدية الجيدة، فلا يكون هناك مشكلة لديهم على الصعيد الوجداني والنفسي.

ولكن إذا كان سلوكهم الإنكاري الإيجابي هو ظاهريّ فقط، أيّ أنها تصرفات تعويضيّة وإيهاميّة للناس، إنما على مستوى الشعور الداخلي يعانون من الخوف من العمر، ففي هذه الحالة لا بدّ أن يُصادفهم حدثٌ يسبب لهم انتكاسة يُظهر إحباطهم وتأزمهم النفسي.

نظرة المجتمع تجاه مرور الزمن

يلعب المجتمع دوراً كبيرا في أسلوب تعاطي الفرد مع عمره، حيث يضع القواعد السلوكية المناسبة لكل مرحلة عمريّة حسب الثقافة والحضارة السائدة فيه، ففي بعض المجتمعات تُعتبر مرحلة البلوغ أو المراهقة هي نفسها الرُشد، وبالتالي يصبح العمل والزواج أمران يجب على الفرد القيام بهما.

وفي مجتمعاتٍ أخرى نرى أن مرحلة الطفولة والمراهقة تأخذان وقتاً أطول، حيث يتأخر العمر الذي يراه المجتمع ضرورياً للانخراط في عالم الرُشد، بالتالي فالمجتمع يحدّد السلوكات المناسبة التي يجب أن تترافق مع كل مرحلة عمريّة، ويحدّد الحالة الاجتماعية للفرد حسب عمره، مثل مسألة العنوسة، وهو أمر يقيّد الإنسان بحالات نفسيّة معيّنة، ويجعله يسعى إلى التوافق مع مجتمعه، ونراه يتأزم في حال لم يتمكّن من تحقيق هذا التوافق.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ألحان نجيب الجردي

ألحان نجيب الجردي - أخصائية في علم النفس العيادي، وأستاذة في العلوم التربوية والإجتماعية للمرحلة الثانوية المهنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق