أسلوب حياة

سيكولوجية تعنيف الأهل للأطفال

الأسباب الكامنة خلف تعنيف الأهل لأولادهم

هناك دوافع مختلفة خلف قيام الأهل بتعنيف أولادهم سواء الأب أو الأم، بحيث قد يكون الأهل أنفسهم قد تلقّوا في طفولتهم تربيةً عنيفةً وقاسية، فعندما يُنجبون الأطفال يعتمون الأسلوب التربوي ذاته الذي اعتمده أهلهم تجاههم، من خلال الأوليات النفسية الخاصة بالتماهي والإسقاط.

ومن الممكن أن تكون العلاقة الزوجية المضطربة والمشاكل بين الزوجين، وعدم وجود التفاهم أو الحب بينهما، سبباً لظهور سلوك العنف من قِبل أحدهما أو كليهما تجاه الطفل، الذي يصبح في هذه الحالة كبش المحرقة في العلاقة، حيث يصبّ أحد الطرفين غضبه على الولد بشكلٍ لا واعي انتقاماً من الشريك.

كما أنّ الوضع الاقتصادي والمادي السيء قد يجعل من الزوجين في حالةٍ من الاضطراب النفسي والاجتماعي، ويعانيان من الضغوط النفسية والعقلية، فيُسقِطون تأزمهم وعدوانيّتهم على أولادهم، كذلك فإنّ مسألة عدم رغبة أحد الطرفين بالإنجاب عاملٌ مهمٌ في تعنيف الولد، فعندما يولد الطفل في ظلّ عدم القبول أو الرغبة، ينمو تجاهه كُره دفين من قِبل أحد والديه.

منبع العدوانية ومفهوم تعنيف الأولاد

إنّ العدوانية موجودة في طبيعة الإنسان والحيوان على السواء، حيث أن الحيوانات تعلّم صغارها بشكلٍ قاسي عن طريق إيذائها وإيلامها في بعض الأحيان، ويحدث ذلك بشكلٍ غريزيٍ من دون وجود دوافع اضطرابيّة أو مشاعر سلبيةٍ تجاه الصغير، وبالنسبة للبشر فإنّ تعليم الأطفال وتأديبهم بواسطة الضرب كان أمراً طبيعياً في الماضي القريب، وما زال هناك بعض الناس الذين يؤمنون بصحة هذا الأسلوب.

بالتالي فالأفراد الذين تلقّوا التعنيف في التربية فمن المُحتمل جداً أن يعتمدوا الأسلوب نفسه مع أولادهم لسبب بسيط؛ أنهم مُقتنعين أنه الأسلوب الصحيح والمناسب، وليس بداعي العدائية والإسقاط، ولكن في العصر الحالي، ومع انتشار أساليب التربية الحديثة، والتوجّه نحو علم النفس والصحة النفسية، أصبح مفهوم ضرب الولد وتعنيفه أمراً غير مقبولٍ سواء كان التعنيف لفظيًا أم جسديًا، فعلم النفس اليوم يُشير إلى وجود العديد من الأساليب التربوية التي تعتمد على الإقناع، والقصاص، والثواب، والمكافأة، والتعزيز، والعقاب، لتربية وتأديب الولد، وهذه الأساليب نابعة من مفهوم أنّ العنف سواء اللفظي أو النفسي، وإن كان يُعطي نتائجًا سريعةً على صعيد تعديل السلوك وفرض السلوكات المرغوبة، إلا أن له نتائجًا سلبيةً على شخصية الولد في المستقبل.

الآثار النفسية والاجتماعية والعاطفية للأطفال المُعنّفين

الطفل المعنّف قد يُنمّي شعورًا بالعدائية تجاه أهله وتجاه الناس والمجتمع بشكلٍ عام، وبالتالي قد يُصبح ذي شخصيةٍ مُعاديةٍ للمجتمع أو جانحة، وفي حالاتٍ أخرى قد يُصبح ذي شخصيةٍ خاضعةٍ وعاجزةٍ فيُنمّي شعورًا بالدونيّة وعدم الثقة بالنفس، فيعيش الإنطواء والخنوع ويكون غير قادرٍ على المواجهة، كذلك قد ينشأ لديه نظرة سلبية ودونيّة تجاه ذاته؛ حيث يشعر بأنه غير مرغوب وغير محبوب، فينتج عنه تقدير منخفض للذات، وقد ينشأ لديه اعتقاد لا واعٍ بأنه لا يستحق الحب، بشكل عام الأطفال المُعنّفين يُعانون من العدوانية تجاه المجتمع والنقص العاطفي وقلّة الثقة بالنفس.

تحضير الأهل نفسياً قبل الزواج

نحن اليوم نعيش في عصرٍ يتطلّب أن نكون على استعدادٍ نفسيٍ وعقليٍ قبل الإقدام على خطوة إنجاب الأولاد، فعلى الطرفين أن يكونا على استعدادٍ عقلي ونفسي واجتماعي، وألا يكون لديهما أمراض نفسية وآفات اجتماعية؛ مثل الكحول والمخدرات قبل الإقدام على الإنجاب، وهذه الأمور أساسية لكي يُمارسا دور الوالديّة بشكل سليم، ومن ناحيةٍ أخرى، فمن المهم أن يكون الطرفين على قدرٍ من الوفاق والتفاهم والمحبة، ولديهما رغبة بالإنجاب؛ كي يتمكّنا من إنشاء عائلةٍ سليمةٍ نفسياً، كما أن القدرة على تلبية المسلتزمات الأساسية لحياة الولد كالمسكن والغذاء والطبابة والتعليم، هي من المسائل الضرورية كي يحيا الولد حياةً كريمةً.

متى يُصبح إبعاد الولد عن أهله ضرورياً؟

في المجتمعات الغربية، يتمّ إبعاد الأولاد الذين يتعرّضون للعنف عن أهلهم، ويُودعون في مؤسساتٍ رعائية، بحيث تُدرَس العوامل الأسرية وبنية العلاقات داخل المنزل، ففي حال تبيّن أنّ الوضع المعيشي ينتج عنه اضطرابات لدى الولد من الناحية النفسية والذهنية، يُقرَر إبعاد الولد عن أهله.

وأحياناً يكون الإبعاد لفترةٍ زمنيةٍ معيّنةٍ؛ حتى يتمّ العمل على تحسين الأسلوب التربوي للأهل، والوضع العام للبيت، ومُعالجة المشكلة الأساسية، ثم يعود الولد لمنزله، ولكن في مُجتمعاتنا العربية فإنّ مسألة إبعاد الأولاد عن أهلهم وإيداعهم المؤسسات الرعائية هو مفهومٌ غير منتشرٍ وغير مقبولٍ، إلا في حالات اليُتم أو السجن، كما أنّ نوعية المؤسسات الرعائية المتوافرة تستدعي إعادة النظر بهذه المسألة.

ولكن هناك عاملٌ إيجابيٌ في مجتمعاتنا تتعلّق بوجود الأقارب وأفراد العائلة الذين يمكنهم تولّي رعاية وتربية الولد في حال وجود الاضطراب الأسري، بشكلٍ عام، يجب دراسة وضع الأهل والعائلة والبيت، ففي حال توافر فردٍ من العائلة قادر على رعاية الولد، يُفضَّل أن يبقى الولد ضمن عائلته، ولكن في حال عدم توافر أيّ شخصٍ قريب، ووجود خطورةٍ على الولد من بقائه مع والديه، فلابدّ من إيداع الولد في مؤسسة رعائية.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ألحان نجيب الجردي

ألحان نجيب الجردي - أخصائية في علم النفس العيادي، وأستاذة في العلوم التربوية والإجتماعية للمرحلة الثانوية المهنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق