علوم وصحة

سيكولوجية الوحدة.. السعادة المفقودة التي لا تكتمل أبدًا

الشعور بالوحدة تجربةٌ ذاتيةٌ للإنسان؛ فإذا اعتقد الشخص أنه وحيد فهو كذلك، ويمكن أن يشعر بوحدته وسط حشدٍ من الناس، في حين يمكن أن يظل الشخص بمفرده ولا يشعر بالوحدة. إنها شعورٌ مثل الفرح والحزن، وحالةٌ عاطفيةٌ يعاني فيها الشخص عادةً من الفراغ والانفصال عن الآخرين أو انعزالهم عنه.

وكثيرٌ ما نمر بكميةٍ كبيرةٍ من مشاعر الوحدة ولكن قلما ما نأخذها محمل التفكير الجاد، حيث يوجد عددٌ من الموضوعات التي تدفعنا إلى التوقف مؤقتًا لإدراك أننا بحاجة إلى إيلائها المزيد من الاهتمام. لنطرح السؤال: هل نحن مستعدون للشعور بالوحدة؟ هل هي حالة طبيعي؟ وهل غُرست فينا منذ الولادة؟

الشعور بالوحدة يعني الاعتراف بواقعنا المؤلم

تنظر الفلسفة الوجودية إلى الشعور بالوحدة على أنها ضرورةً للبشر. يأتي كل واحد منا إلى العالم ويدرك في النهاية أنه شخص منفصل وحيد. نسافر عبر الحياة وحدنا وفي النهاية نموت وحدنا.

يدل الاعتراف والقبول بمشاعر الوحدة على مستوى من الوعي، وتعلم كيفية عيش الحياة بدرجةٍ من النعمة والرضا على حال الإنسان. وهكذا لدينا جميعًا درجة من “الوحدة الوجودية”، وهي بهذا حالة طبيعية.

لا أحد يستطيع أن يفهم حقًا ما يعنيه أن تكون وحيد، لا أحد يستطيع تجربة العالم بنفس الطريقة التي تحياها. لا أحد يستطيع أن يفهم تمامًا ألمك، فرحك، حزنك، اليأس الذي ينتابك، الخوف، الذنب أو العار.

ويتحدد وجودنا بالصراع بين تجربة تلك المشاعر المختلفة ورفض قبولها، لا يمكننا تقديم مشاعرنا وأفكارنا وتجاربنا للآخرين تمامًا كما نشعر، والنتيجة أن الواقع المؤلم يكشف حقيقة أننا في نهاية المطاف وحدنا في هذا العالم.

ويعني الشعور بالوحدة الانضمام إلى بقية البشرية في الاعتراف بالواقع المؤلم الذي يفصلنا بشكل أساسي عن بعضنا البعض، حيث أنشأت البشرية اللغة والفن والموسيقى والكتابة لمحاولة التواصل مع بعضنا قدر الإمكان. وبالفعل نقترب في بعض الأحيان ولكن هناك شيء مفقود دائمًا؛ إنه سريع الزوال لا يكتمل أبدًا.

لماذا نختبر درجات مختلفة من الوحدة؟

لماذا لا نغرق جميعًا في الشعور بالوحدة والاكتئاب وهي القنبلة اليدوية الوجودية؟ لماذا الوحدة تتبع البعض وتطارد وعيهم؟
الجواب القصير هو: لا أحد يعرف. لقد كان هناك القليل من البحث المدهش في موضوع الوحدة، ولكن القليل من الأدبيات المتاحة تشير إلى وجود عوامل وراثية وبيئية على حدٍ سواء.

تشير الدراسات في علم الوراثة السلوكية، إلى أن الحمض النووي له دور كبير في استعدادنا للوحدة، وهذا لا ينبغي أن يكون مفاجئًا. حيث تحتوي العديد من استعداداتنا للحالات العاطفية على مكون وراثي: الاكتئاب والسعادة والقلق وما إلى ذلك.

ويوجد نظريات تنموية تشير إلى أنماط التعلق المختلفة التي تؤدي إلى الشعور بالوحدة وذلك عبر تطوير أسلوب ارتباط بالآخرين، وهو ما يرجع جزئيًا إلى نوع وجودة العلاقات التي لدينا مع من حولنا ويعتنون بنا.

وبالانتقال لمرحلة البلوغ، تشكل علاقات الارتباط كيفية تفاعلنا مع الآخرين بشكل وثيق. وتتكون أنماط التعلق الآمنة بشكل عام أقل حدة، في حين أن الأنماط المتجنبة تعاني من القلق وتكون أكثر استعدادًا للشعور بالوحدة حيث ثبت أيضًا أنه كلما قللنا في ثقتنا بالآخرين، كلما عانينا من الوحدة.

الألم الاجتماعي

كما تم وصف الوحدة بأنها ألم اجتماعي – آلية نفسية تهدف إلى تنبيهنا إلى عزلتنا وتحفيزنا على البحث عن اتصالات اجتماعية. نحن مخلوقات اجتماعية وقد اعتمدنا طوال التاريخ على التعاون الاجتماعي والتعلق من أجل البقاء. من المنطقي أن يكون هذا الدافع قد تطور فينا.

وقد تم مقارنة الجوع من قبل البعض، فعندما نكون جائعين، نسعى إلى الطعام لتلبية احتياجاتنا، وعندما نكون وحيدين، نسعى إلى الاتصال. وعندما نكون جائعين، من السهل تلبية هذه الحاجة للطعام، بافتراض أن الطعام متاح. في المقابل، على الرغم من أننا نعلم أن الاتصال ضروري لعلاج الوحدة، إلا أن العديد من الأشخاص المنعزلين لا يمكنهم الوصول إلى الاتصال الضروري لتلبية احتياجاتهم. حتى لو كانت بهذه البساطة.

الاتصال ليس طعامًا أو شيء سهل الحصول عليه واستهلاكه. أفكر في الشعور بالوحدة المزمنة كشخص يجلس أمام مائدة مع وليمة كبيرة أمامهم، لكن لا يمكنه تناول أي شيء منها. الوحدة أكثر تقلبًا. إنها ليست كمية، يجب أن يكون الطعام هو الملمس الصحيح، وأن يرضي الحواس، وأن يكون مغذياً ويسهل استخدامه من قبل الجسم. فالوحدة طعام أكثر تمييزًا.

تؤدي الوحدة إلى الشعور بالفراغ أو التجويف بالداخل. يمكن وصف الشعور بالجوع باستخدام مصطلحات مماثلة. لكن يجب أن يكون الاتصال ذا معنى، وليس فقط حاضرًا.

اقرأ أيضًا: النسيان.. بوابة تخطي اللحظات الحالكة ومانح الفرص الثانية

الشعور بالوحدة والشوق للاتصال

نحن جميعًا وحدنا في الطريقة التي ننفصل فيها عن العالم، لكن الشعور بالوحدة تجربة ذاتية. إنه المزيج الفريد الخاص بنا من الطبيعة (علم الوراثة) والتغذية (تجربة الطفولة المبكرة) يحدد نقطة تحديد الوحدة لدينا، والتي تحدد مستوى الاتصال الذي سيلبي حاجتنا، وسيحدد وضع حياتنا الحالي وإلى أي مدى نبتعد عن تلك النقطة المحددة. ستكون هناك أوقات نتوق فيها لمزيد من التواصل، وأحيانًا أخرى نفضل أن نكون بمفردنا في أفكارنا.

لا يمكننا السيطرة على جيناتنا، ولا يمكننا تغيير الماضي. يمكن فقط أن يكون لدينا نظرة ثاقبة على مشاعرنا ويمكننا تغيير كيفية تفاعلنا وتفسير المستقبل.

الوحدة هي شيء أعمق يجب مواجهته وجهاً لوجه. التستر على الشعور بالوحدة عن طريق تجنب الوحدة لن يؤدي إلا إلى تأخير فهمنا والشفاء المحتمل.

يجب أن نقبل الشعور بالوحدة، لا نحبها ولكن نقبلها، فالمشاعر تلقائية، لا يمكننا السيطرة عليها، بل يمكننا التحكم في كيفية ردنا من خلال قبول الوحدة، حيث يمكننا أن ننظر إلى السبب الحقيقي خلف ذلك الشعور.

الوحدة هي الشوق للتواصل، ولكن مع إدراك أنه بغض النظر عن مقدار ما نريده، لا يمكننا التواصل بشكل كامل مع شخص آخر. لا أحد يستطيع أن يفهمنا حقًا كما نفهم أنفسنا، ولايمكن إلغاء الشعور بالوحدة بل يمكننا تقبله والبحث دومًا عمن يشبهنا. هذا البحث هو محور قبولنا لوحدتنا إلى حين اكتشافنا لمن هم مثلنا.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق