ريادة أعمال وإدارة

سيكولوجية القيادة

تدور معظم الأمور اليوم، سواء في حياتنا المهنية أو الشخصية، حول القيادة. فلقد أصبحت الحاجة مُلحّة لوجود أشخاص يأخذون زمام المبادرة للتغيير وحث الآخرين عليه، أشخاص يتحمَّلون مسؤولية أقوالهم وأفعالهم، أشخاص يسعَوْن للمساءلة المهنية ويتولَّون توجيه الآخرين لتحقيق الأهداف، أشخاص يديرون أولوياتهم بشكل مثمر، بالإضافة إلى إدارة صحيحة وفاعلة للأفراد والمؤسسات على حدًّ سواء.

قد نرى أحياناً أولاداً يلعبون في مجموعتين، ويقاتلون ضد بعضهم البعض، ويكون هناك مجموعة منتصرين تبدوا عليهم السعادة ومجموعة أخرى يشعرون بالقهر من هزيمتهم . لكنه ومن المفارقة العجيبة أنه في اليوم التالي ، يجتمع نفس الأولاد ليتعاونوا معا بعمل ما  وهم يمازحون بعضهم البعض كأصدقاء.. فما الذي يجعل الأولاد في هذا العمر يقسمون أنفسهم إلى مجموعات متضادة ، وما الذي جعلهم يتعاونون باليوم التالي؟ إنها سيكولوجية القيادة، التي نراها عادة في سلوكيات البالغين ممن في موقع المسؤولية. فتمييز الأولاد بين بعضهم البعض،  وتقسيمهم لأنفسهم بين “نحن وهم” من أهم سمات علم النفس البشري، وأحد محاور ديناميات الجماعة، وليس مصادفة أن تكون جوهر سيكولوجية القيادة ، و فهم مثل هذه الفروق والتعامل معها أمر مهم لفهم القيادة.

ومما لاشك فيه أن الوجود الإنساني للبشر يتطلب نوعا من تنظيم العلاقات بينهم، فيتولى أحدهم القيادة ويكون الآخرين تابعين، ويتضح ذلك جليا في سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، حين أقر هذا المبدأ عندما رأى ضرورة وجود قائد للجماعة حتى ولو كانت صغيرة جدا ، فقال عليه الصلاة والسلام : اذا خرج ثلاثة في سقر فليؤمروا عليهم أحدهم » رواه أبو داود. ويمكن القول أن ما من مجموعة بشرية إلا ويوجد بينها قائد يدير أمورها ويمتلك زمام المبادرة فيها ، وتهدف القيادة إلى التأثير على سلوك الأفراد وتنسيق جهودهم لتحقيق أهداف معينة .

سيكولوجية القيادة

“ربما كانت القيادة من أكثر الموضوعات المكتوبة في التاريخ كله، حيث أن الكثير من القصص تتعلق بما فعله القادة ونتائج قراراتهم وأفعالهم ، سواء كانت جيدة أو سيئة. وتأخذ كتب القيادة والسير الذاتية للقادة مساحة كبيرة من أرفف المكتبات، ولكن؛ هناك شيء مفقود في الأعمال السابقة عن القيادة، فعندما يعتبر الناس ، مثل ماكسويل ، الشخص قائداً محتملاً، فإنهم عادةً ما يفكرون في سمات أو صفات الفرد المعني. ويوضح “بلاتو” كيف أن سيكولوجية القيادة قديما كانت مهتمة إلى حد كبير بهذه الصفات الفردية. ولكن مهما كانت الحقيقة في هذا النهج ، فإنها تتجاهل الجانب الآخر من المعادلة: فهي تتجاهل دوافع التابعين لهم. إنه يفشل في إدراك أن القيادة تتعلق بالتفاعل بين دوافع وأفعال الأتباع والقائد ، ويتوسط هذا الدافع كيف يفكر هؤلاء الأتباع في أنفسهم ، وبالتالي فالناس يقيمون زعيم مجموعتهم ؛ وأفعال القائد ترمز لهم إلى ما يجب عليهم فعله وما لا يجب عليهم فعله. فالقائد هو النموذج الأصلي “واحد منا”. وفي بعض الحالات ، يكون القادة عظماء لدرجة أننا لا نستطيع حتى أن نتطلع إلى أن نكون مثلهم ، ولكن مع ذلك ، فإن أفعالهم لا تزال تشير إلى ما من المفترض أن نفعله”.

وخير مثال على ذلك، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي يعتبره الكثيرون أعظم قائد في العالم حتى الآن. فبالنسبة لنا كمسلمون فإن هدفنا أن نكون مثله. إنها نظرية بسيطة ولكنها عميقة تكمن وراء سيكولوجية القيادة.. يقولDruker  في كتابه إدارة المنظمات: “يبدو لي أن القادة الذين يعملون بفعالية أكبر لا يقولون “أنا” أبدًا. وهذا ليس لأنهم دربوا أنفسهم على عدم قول “أنا”. إنهم لا يفكرون بـ “بالذات” بقدر ما يؤمنون بال”فريق”. إنهم يفهمون أن وظيفتهم هي جعل الفريق يعمل”.(Druker,1992:14)

لذلك، يجب أن يكون القادة والأتباع مرتبطين معًا من خلال كونهم جزءًا من “مجموعة واحدة”. علاوة على ذلك، يكتسب القادة مكانتهم وتأثيرهم على الآخرين من خلال قدرتهم على تمثيل ما تتكون منه هذه المجموعة ، كما أنهم مقيدون فيما يمكنهم القيام به من خلالها. لهذا لا يمكن أبداً فهم القيادة بشكل صحيح من خلال تحليل الصفات الفردية للقائد. بل إن ذلك يرتبط بفهم المجموعة بشكل عام.

المراجع:

  • Alexander Haslam, Stephen D. Reicher, and Michael J. Platow.(2011):The New Psychology of Leadership ,Identity, Influence, and Power(S. -psychology press(taylor and francis group).U.S.A.
  • Drucker, P. F. (1992). Managing the non-profit organization: Practices and principles Oxford: Butterworth-Heinemann.

راوية أبو الخير

طالبة في دكتوراه الفلسفة في الإدارة التربوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى