علوم وصحة

سيكولوجية الرفض: طريقك لفهم الصراع الذي يعتمل بداخلك

تفسر دراسة سيكولوجية الرفض لدى الفرد جميع أشكال الغضب والخوف والقلق والاضطرابات النفسية، والتي تكون نابعة من صعوبات في القبول، بينما فهم الأساس الجوهري الصافي لفكرة الدين والحاجة إلى الانسجام الروحي، هو السبيل للوصول للسلام الداخلي.

الصراع بين الرفض والقبول

الصراع والتناقض هما عنصران ملازمان للنفس البشرية، حيث يظلّ الابن يشعر بكيانه كامتداد لمربّيه، وفي الغالب تكون الأم، حتى يصل الثالثة من عمره، ثمّ يمرّ بأزمة تسمّى “أزمة المعارضة” في هذا العمر، حيث يبدو سلوكه وكأنه لا يريد أن يُطيع مربّيه بعد اليوم فيبدأ بسلوك العناد والرفض والغضب وأحياناً التهرّب، وهو شكل من أشكال رفض الهيمنة الأبوية، حيث تنشأ لديه حاجة لإثبات وجوده وذاته، فهو لا يريد أن يبقى تابعاً للأهل.

تنتهي هذا الأزمة بعد بضع سنوات ويحلّ مكانها مرحلة التكيّف والتعلّم والاكتساب والتقليد والتماهي مع الكبار، والاندماج مع عاداتهم وأفكارهم وقيَمهم، فيكون مُطيعاً ومتقبلاً، من بعدها يدخل مرحلة البلوغ التي تُحدِث تغيّرات كبيرة، فيبدأ بالإحساس بذاته ككيان قوي وقادر ومستقلّ، فيسعى للاستقلال والابتعاد والتخلّص من سلطة الأهل، فيُصبح رافضاً ومُعارضاً لكل ما يقوله أهله.

ويعيش المراهق طوال تلك الفترة صراعاً بين رغبته بالاستقلال وبين شعوره بالحاجة لوجود الأهل والخوف من خسارتهم، ولكن في جميع الأحوال يبدأ باختبار الحياة ويعيش تجاربه الوجودية الخاصة، فتتبلوَر أفكاره وطباعه على نحوٍ معيّن، فتكون نهاية تلك المرحلة هي حقبة النضج التي تأخذ إما شكل الانتماء للبيئة التي خرج منها أو نبذها واتخاذ بيئة جديدة تناسب توجهاته.

والهدف من هذا التوضيح المقتضب لمسار التطوّر الوجودي؛ هو إلقاء الضوء على الحالتين العقليّتين اللتين تتنازعان في وجدان البشر طوال مسار حياتهم. وأولى هاتان الحالتان هي سيكولوجية الرفض والنفور وعدم التقبّل والذي يظهر من خلال النبذ والغضب وإطلاق الأحكام والشَجار ومحاولة فرض الرأي الخاص على أنه الوحيد الصحيح، وعدم القدرة على تفهّم أفكار الآخرين، بينما الحالة الثانية هي القبول والتكيّف والتي تتميّز بسلوك الانسجام والانتماء والتفهّم، حيث يزول العناد والغضب، وتظهر القدرة على النقاش والتعاطف.

سيكولوجية الرفض

الناس في العالم نوعان، الأول النوع الرافض والثاني النوع المتقبّل، وهناك أشكال مختلفة لكل من النوعين، مثلاً هناك الرافض الذي يأخذ شكل الضحية، والرافض المستسلم والخانع، وهناك الرافض المُعادي، والرافض المعارض، والرافض الساخر.

وفي المقابل، يوجد المتقبّل النشِط أو الفعّال، والمتقبّل السلبي أو المحايِد، وهناك المتقبّل الواعِظ وكذلك المتقبّل المُراقب.

يرتبط مفهوما السعادة أو الرضا، والحزن أو التعاسة بشكل أو بآخر بالحالة الإنسانية إما الرفض أو القبول، ممّا يعني أنّ التركيبة الذهنية التي تتميّز بالرفض والهروب والانطواء والصراع والحقد والغيرة والعجز والعداء هي تركيبة نابعة عن حالة الرفض، وهذه الحالة تسعى دوماً لتحقيق خطط وتوقعات معيّنة وفق حاجات ورغبات محدّدة، فأيّ حدث خارج إطار ما رسمه الشخص لحياته يتمّ رفضه ونبذه وبالتالي التصارع معه.

وهذه الحالة لها العديد من الأشكال؛ فالشعور بالنقص والسعي للتعويض هو نوع من الرفض. الغيرة والحسد هما تعبيران عن رفض واقع معيّن. الخوف من الفقدان والتعلق الزائد بالأشخاص والأشياء هو نابع من الحاجة وعدم القدرة على التكيّف. الحزن واليأس نابعان من الشعور بالعجز وعدم القدرة على القبول والمواجهة، كما أنّ العناد والغضب والعداء كلها مشاعر صادرة عن الرفض وعدم تلبية الحاجات وفق التوقعات المرسومة، والرفض ينجم عنه الافتقار إلى الإحساس بالرضا والسلام الداخلي.

بعبارة أخرى إنّ كل أشكال القلق والصراعات والتأزمات النفسية والحزن نابعة من سيكولوجية الرفض المتمثل في صعوبات في القبول والتسليم بمسار الأمور، بحيث أنّ جميع الأولويات الدفاعية التي تستخدمها “الأنا” تسعى للتخفيف من التوتر، ولكنها شكل من أشكال التعبير عن الرفض، فالإنكار لحدث ما أو لواقع ما هو رفض لهذا الواقع، والإسقاط والإزاحة هي عمليات تستهدف الهروب من مشاعر وأحداث منبوذة، حتى العقلنة والتسامي هي وسائل إيجابية لتعديل وتغيير ما هو مرفوض من الذات.

سيكولوجية التسليم

إنها الحالة التي تعبّر عن نهاية الصراع وزوال الرفض، وبالتالي هي حالة لا يمكن أن تتداخل فيها الاضطرابات النفسية والتعاسة، بل على العكس تماماً حيث أنها حالة ذهنية تتّسم بالقدرة على التكيّف مع كافة الأحداث والظروف الغير مرغوبة، ورؤيتها وعيشها على نحو إيجابي متفهّم، مما يجعل الشعور بالرضا والسلام والسعادة أحاسيس طبيعية لا تُبذَل الجهود للوصول إليها.

ولابدّ من الإشارة إلى أنّ  الصراع هي الحالة الأولى التي تظهر بشكل بديهي في تركيبة النفس البشرية، بينما الرضا والتسليم هي حالة وجدانية تتبلوَر من خلال مسار الحياة الإنسانية، وهي ليست حالات بديهية بل تحتاج إلى الجهود العقلية الواعية، أو لنسَق تربوي متوازن ومتكيّف، أو لإيمان راسخ بمعتقدات معيّنة.

ومن هنا يمكن فهم الأساس الجوهري الصافي لفكرة الدين والحاجة إلى الانسجام الروحي، فهي مفاهيم قائمة على التناغم مع قوانين الكون وعدم معارضتها والتصارع معها، فكل الأديان تدعو للتسليم بوجود قوى أكبر من أبعاد حاجات النفس البشرية المادية، كما أن جميع الفلسفات القديمة عمِلت على تقريب البشر من الوعي الروحي وإبعادهم عن عالم المادية لأنه يحفّز الحالة الصراعية.

وتستهدف الصلاة واليوغا والـتأمّل وكافة تقنيات ومدارس العلاج النفسي، رفع مستوى الوعي عن حالة المادية، وإرساء حالة التسليم الروحي الواعي في التعامل مع الذات والحياة، لأنها الشكل الوحيد الذي يتطابق مع مسار الدورة الكونية والحياتية المتغيّرة باستمرار والتي تشتمل على فصول متنوعة ومختلفة لابدّ من اختبارها كما هي، مثل حال الطبيعة ومخلوقاتها في قبول البرد والصقيع والشتاء، من ثمّ الاستمتاع تلقائياً بدفء شمس الربيع، والتناغم مع الصحراء كما الغابات والأنهار، فلا يمكن للطبيعة أن تكره واحدة من تلك المكوّنات لأنها كلّها محتوياتها الأصلية التي لا يُمكن إلغاء واحدة منها، وتلك التشبيهات تترابط مع الحالة النفسية للإنسان والتي تكون في حالة التسليم متناغمة مع جميع فصول الدورة الحياتية، بينما تفقد ذلك التناغم في حالة الرفض ومحاولة الابتعاد عن قوانين الكون الطبيعية أو ما ندعوه سُنّة الحياة.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ألحان نجيب الجردي

ألحان نجيب الجردي - أخصائية في علم النفس العيادي، وأستاذة في العلوم التربوية والإجتماعية للمرحلة الثانوية المهنية

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق