مدونات

«سيدة القطار» دافعت عن «الميري» واحتفى بها الجميع.. لكن للقصة بقية

انتشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة، لمجند يستقل قطاراً لا يملك ثمن التذكرة، وموظف السكك الحديدية المصرية (كمسري) يريد الدفع حالاً بلا تأخر؛ فيما يحاول المجند أن يعفي نفسه من الدفع، ثم تبدأ المشاداة اللفظية بينهم حتى يقف هذا المجند منفعلاً، وتبدأ يدا الكمسري في وخزه؛ اشتهاءَ ضربه، ولكن تتدخل سيدة مصرية أصيلة لتنقذ الوضع، التي أُطلق عليها سيدة القطار وتدفع لهذا المجند المسكين ثمن التذكرة، وتوعي الكمسري الذي كان قد أهان “الميري” المصرية أثناء مشاداته مع المجند، “وتوتا توتا خلصت الحدوتة”، ولكن الحقيقة أن الحكاية لم تنته عند هذا الحد، فمازال في “الحدوتة” بقية.

بعد واقعة سيدة القطار وموقفها في الدفاع عن الجندي، هاج الإعلام بجميع وسائله، ونُشرت المدائح لهذه السيدة المصرية الأصيلة طيبة القلب التي احتوت هذا المجند “الكتكوت” أو “العصفور” الصغير!، وأنقذته من النزول من القطار، ومن العار، وحصلت على “اشتراك أبدي” في القطار، وما زال الإعلام يذوب بها عشقاً في هذه اللحظة التي أكتب فيها هذه المقالة، وانقسم نشطاء “السوشيال ميديا” إلى عدة أقسام:

  1. يرى أن الموضوع كله مجرد تمثيلية لعينة.
  2. الإعلام أعطاه أكبر من حجمه.
  3. الواقعة حقيقية، ويجب تكريم هذه السيدة المصرية الأصيلة.
  4. الفئة الرابعة ترى أنه لولا أن هذا الفتي “المجند” عضو في المؤسسة العسكرية لما تضخم الأمر إعلامياً إلى هذا الحد.

ولكن أنا لست هنا لأبُدي رأيي في الأمر، وأميل إلى إحدى الفئات الأربعة، أُريد فقط الحديث عن فكرة التقديس، التي لا تنتشر في المجتمع المصري فحسب، بل في كل بلد عربي، تقديس فئة، أو طائفة، أو طبقة معينة، واستحقاقها عدة امتيازات دون غيرها.

لماذا أنا ضد تقديس الفئة العسكرية بشكل عام؟

عندما تقرأ عنوان هذه الفقرة، قد تبرز الدماء المندفعة عروقك من رقبك بسبب عصبيتك وغيرتك على المؤسسة العسكرية التي تحمي بلادك، وتضمن لأولادك وزوجتك وعائلتك أمانًا تامًا، وتحمي البلاد وحدودها وعرضها، وأنت محق بالطبع فلا يمكن أن يتحقق الأمان في البلاد بدون جيشه، بدون هؤلاء الشباب الذين يقفون في الحر علي حدود البلد؛ لحمايتها ضد أي اعتداءٍ خارجي.

بالطبع، جميعنا نعلم أن من يخدمك ويسترعيه أمنك وسلامتك لأجلك أنت واجب شكره إلى أقصى درجة، ولكن ماذا عن من هدفه غير ذلك؟!، لنوضح أكثر: جميع أطياف المجتمع المصري يعلمون أن غالبية من ينضمون للجامعات العسكرية ما هم إلا هدفهم “شرف المنصب المرموق” للتباهي والتفاخر، و”المال”، ولك أن تتخيل من ذا يرفض هذا المنصب ذو المرتب العالي، والاسم المرموق، هذا الاسم الذي يُكتب في بطاقتك حتى إذا رآها أحدٌ ما يثني عليك، ويندهش من عظمتك وقامتك. ولكن هل هذا معناه: أن لا وطنيين في أي جيش؟! بالطبع لا، فلا جيش في العالم يخلو من الوطنيين الشرفاء، ولكن فقط لا تقدسهم.

هذا بالضبط ما أقصده: الضابط العسكري الذي احتمى بزيّه قبل تدخل سيدة القطار وإنقاذها للموقف، لم ينضم كغيره للجامعة العسكرية في الأصل؛ إلا للحصول على الشرف المنصبي، وماله الوفير، ولكن ليس هدفه أمنك وسلامتك، ولا ليبقى تراب الوطن آمنًا من التدنيس من قِبل أقدام الأعداء، فبالله لم تقدسه؟!، ولم ترضى بإعطائه امتيازات دونًا عن غيره؟ّ!، ولكن هل من يجب إعفاء من يُهين الرداء العسكري من المحاكمة؟! بالطبع لا، ولكن هل ستتعامل مع باقي الطبقات بالمثل؟! إذا كانت إجابتك بـ(لا) فاقترح عليك أن تغلق هذا المقال؛ لأنه ليس لك.

مما يزيد تأكيد وجهة نظري أكثر، ويدعم موقفي، هو: المقابل المادي، المرتب الذي يحصل عليه هذا العسكري مقابل حمايتي وحمايتك، أي ممارسة مهنته، فأنت لن تذلني لأنك تحميني، وليس من حق أحد مهما كان أن يجعلك تحتكر عدة امتيازات عن الطبقات الأخرى، طالما أن هذه مهنتك في الأساس، التي تتقاضى من أجلها راتباً ثابتاً، يتم تجميعه من قوتي ورزقي؛ ليُدفع لك مقابل حمايتي وحماية أرض الوطن وعرضه وحدوده، إذاً من يُقدسك بعدها دونًا عن الآخر ما هو إلا مستفيدٌ، يحاول تحقيق مصالحه الذاتية على حساب تضخيمك في الأعين والامتيازات.

وإذا كنت تريد تقديس تلك الفئة العسكرية، ومازالت مُصراً، فاسمح لي أن أخبرك أنك متناقض، إذا كان فعلاً هناك إعطاء الحقوق كاملة، ووضع كل فئة في محلها المستحق، فلم تصر على الطبقة العسكرية؟!، ألا يوجد مكان في أرشيفك التقديسي لفئة المعلمين؟!، نظرًا لأن المعلم لا يقل أهميةً عن “العسكري”، فالأول يحمي الوطن، والثاني يبنيه، لم لا تساوي بين الطبقيتين في الامتيازات إذاً؟!، سأترك إجابة هذا السؤال لك أنت!.

سيدة القطار نموذجًا.. خطورة تقديس الفئات الاجتماعية

تقديس أي فئة اجتماعية مهما كانت، ليس بالشأن الهين، فترى أفرادها تبدأ نفوسهم يومًا بعد يوم مع زيادة الامتيازات بـ”الطمع” في المزيد، فهي ترى السلطة تزيد لهم امتيازاتهم في مقابل الحفاظ على مصالحها، وأفراد المجتمع المدني على غرار سيدة القطار تُقدسهم وتراهم مُستحقين هذا البذخ أكثر من غيرهم، وعندما يُرى أحدهم يسير في الشوارع، حتى ينتشر الصخب، وتكثر المدائح اللفظية والثناء التعظيم والتبجيل.

فتمر الأيام أكثر وأكثر، وتغرهم نفوسهم أكثر، حتى يبدءون في رؤية أنفسهم مُنزهين عن الخطأ، وأفعالهم غير قابلة للنقاش، فترى الفرد منهم إذا قاد يوماً سيارته، وقُطع عليه الطريق مثلاً، حتى ينزل من سيارته، ويسبه بجميع الألفاظ التي تعلمها في حياته، وأشهر مسدسه في وجهه (إذا كان ضابطاً في الحربية أو غير)، أو قبض عليه، ولن أستغرب إذا لفق له تُهماً أخرى غير تُهمته الأصلية!.

في الختام، عندما تحدثت عن المؤسسة العسكرية كمثال فقط؛ لأن تقديسها هو السائد في عالمنا العربي، وليس لأني ضدها، أو أملك أي مشاكل معها، بل على النقيض، فأنا أرى أن من دونها يكون الوطن عرضةً للمخاطر، منزوع الروح الوطنية العسكرية، التي أثبتت دورها المشرف عبر التاريخ من قديمه الجديدة.

اقرأ أيضاً: الكوادر الطبية الجيش الأبيض في حرب كرونا

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Zeyad Elnagar

الثورة في كل شئ هي الحل(كن خارجاً عن المألوف).

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق