مدونات

سوق سوداء وغش جماعي.. تداعيات أزمة كورونا على التعليم المصري

عاني التعليم المصري من تدهورٍ بالغ بسبب سوء الخدمات وضعف الإمكانيات على مدى زمني طويل، لكن مع تفشي جائحة كورونا ظهرت أنماطٌ جديدة من الأزمات على صعيد التعليم؛ من سوق سوداء لبيع الأبحاث وغش جماعي أثناء عقد الامتحانات بنظام “الأون لاين”.

نتابع كل يوم وكل ساعة تطورات أزمة فيروس كورونا المستجد على كافة الأصعدة، ولاسيما الصعيد التعليمي؛ فلا شك أنه من أقوى الأصعدة التي تضررت؛ بسبب تداعيات الأزمة الراهنة.

وبحسب ما رصدته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، فإنه تم غلق كلي للمدارس في أكثر من 100 دولة على مستوى العالم، وفي دول أخرى شهدت غلقًا جزئيًا، وفُتِحت بحذر في أماكن أخرى، وبين اضطراب مفاجئ للعملية التعليمية، ومحاولات الحكومات في التعامل من الأزمة؛ كانت لوزارة التعليم المصرية تجربة شائكة بعض الشيء. نتناولها في تقريرنا التالي من بين مساوئ ومزايا.

قرارات وزارة التعليم المصرية بسبب الجائحة

خلال فترة الأزمة الراهنة من انتشار فيروس كورونا، كان يهل علينا الدكتور طارق شوقي وزير التربية والتعليم المصري، من خلال الشاشات التلفزيونية منوهًا عن موعد ظهوره قبلها بعدة أيام، ويظل على إثرها الطلاب في حالة ترقب لما سوف يخبرهم ويكلفهم به الوزير.

ونصت قرارت “شوقي” على اعتبار التلاميذ في المراحل من الروضة إلى الصف الثالث الابتدائي ناجحين، ومنقولين للصفوف التالية دون اختبار أو غيره، والطلاب من المرحلة الثالثة الابتدائية إلى المرحلة الثالثة الإعدادية مُكلفون بعمل أبحاث إلكترونية ورفعها على المنصة الإلكترونية للوزارة، وتم توزيع الأكواد على الطلاب بالرقم القومي الخاص بهم.

وتقرر للمرحلة الثانوية عقد امتحانات في المواد إلكترونيًا بنظام التعليم عن بعد “أون لاين” من المنزل. والثانوية العامة فقد تقرر استمرارهم في التعلم المنزلي لحين إجراء الامتحانات في موعدها، وسيتم تنسيق عقدها خلال الأيام القادمة.

مخالفات تصل للملاحقات الأمنية

وتحكي لنا الطالبة تسنيم منصور تجربتها مع تخبطات الأزمة الحالية وتأثيرها على التعليم المصري لكونها طالبة في الشهادة الثانوية، وتقول: “كما تعرفون أنه عندنا بالثانوية المصرية لا يوجد انتظام في المدرسة -بعيدًا عن أزمة كورونا- فإن الاعتماد الكلي والأساسي على الدروس الخصوصية. ففي بدايات الأزمة سارعت الأجهزة الأمنية بغلق مراكز الدروس الخاصة، وتوقفت بشكل تام وسريعًا، ليشرع المدرسين بالتنافس لبث شروحات الدروس عن طريق البث المباشر “لايف” على شبكات التواصل الاجتماعي”.

وتضيف الطالبة: “تابعنا الأمر الذي لم يلبث إلا بضع أيام قليلة وخرج علينا المدرسين بحيلة جديدة، وهي التجمع في منزل أحد الطلاب أو الطالبات لإعطاء الدروس الخصوصية في المنزل بعيدًا عن أعين الأجهزة الأمنية، وضمان الحصول على مقابل مادي لشروحهم. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقط؛ بل علمت الأجهزة الأمنية بما يحدث، وداهمت بعض المنازل التي يتجمع فيها الطلاب، وألقت القبض على معلم الأحياء والفيزياء”.

وتستطرد تسنيم قائلةً: “إننا نحضر الدرس في قلق وخوف من مداهمة أجهزة الأمن علينا والقبض على المدرس، وفي محاولات التحايل على الوضع كان المدرسون يضعون المواعيد في أوقات مبكرة جدًا كالخامسة فجرًا في منطقة نائية، وكان ذلك يشكل مجهودًا كبيرًا علينا وذلك بغض النظر عن مواعيد، وأماكن الدروس المختلفة وساعات الفراغ بين الدروس التي تُقضى في الشارع مما يهلك الوقت، ويتعب الجسد. وها نحن مترقبون ما سوف يقرر لنا في الامتحانات”.

تداعيات أزمة “كورونا” على صعيد التعليم المصري
ويقص علينا الطالب عمر محمد في الصف الأول الثانوي: “لم تبدأ معاناتي مع التعليم الأون لاين مع أزمة كورونا فحسب، بل بدأت معاناتي أنا وزملائي من العام الماضي؛ حيث قرر الوزير في الترم الثاني من السنة الماضية توزيع أجهزة “التابلت” اللوحية علينا، والامتحان يكون عن بعد. وهنا كانت الكارثة فالإنترنت المنزلي ضعيف جدًا في مصر، لا يتحمل تشغيل الموقع وسلامة الإشارة طوال مدة الامتحان”.

وتابع أنه حدث في بداية الاختبارات أن تعرض جهاز التابلت للعطل أثناء التشغيل، ومع ضعف شبكة الإنترنت أغلق موقع الوزارة الامتحان قبل مضي وقته. وبعد تعب ومذاكرة كثيرة نجد أن وزير التربية والتعليم احتسب لنا درجة النجاح فقط رغم أني استحق الامتياز، وهذا مما أحبطنا بعد تسريبات الامتحانات الورقية جاء ظلم الأون لاين ليلاحقنا”، متوقعًا بأن الامتحانات في زمن كورونا ببسبب ضعف شبكة الإنترنت السيئة، ستكون معظمها من خارج الكتاب المدرسي مما سيزيد من إحباطنا، بالإضافة إلى أنه بعد بدء الامتحان بدقائق تكون هناك نسخة من الإجابات كاملة في متناول جميع الطلاب، حيث “صرح الوزير أنه بالإمكان حل الامتحانات عن طريق تجمع عدد من الطلاب مما أثار دهشتي، تجربة مثل هذه لابد من مراعاة تحسين وضع الإنترنت بمصر، ورفع إمكانيات التابلت لتقليل الأعطال أثناء الامتحانات”.

هل أتت قرارات وزارة التعليم بثمارها؟

وعن ترقب بيانات وزارة التربية والتعليم، تقول منة شحاتة، الطالبة في الصف الثالث الإعدادي، قائلةً: “الموضوع لم يكن مريحًا على الإطلاق، فقد كنت قلقةً في كل مرة يخرج علينا فيها الوزير بقراراته، هل سيقرر بما في خدمتنا وقدرتنا أم سيصعب الأمر علينا. إلى أن وصل الأمر إلى تكليفنا بعمل بحث إلكتروني ورفعه على المنصة. في البداية خفت من الفكرة خصوصًا أنني لم أكن معتادة على فكرة التعليم على الإنترنت وكنت أعتمد بشكل أساسي على أن أسأل المدرسين على ما يصعب علي فهمه”.

وتضيف “شحاتة”: “دور المعلم المباشر متجذر في أسلوبنا التعليمي ففكرة أن يسلب مننا دور المعلم فجأةً ويصبح الاعتماد الكلي على مجهوداتنا الشخصية وبحثنا دون الاعتماد على أحد ودون تأهيل لنا لخوض تلك التجربة، كان صعب علينا لاشك. ولكن بجهودنا والبحث على النصائح الإرشادية لنا سواء من الوزارة أو من المدرسين المتطوعين بحلقات على موقع “اليوتيوب” بشرح طرق عمل البحث بالتفصيل استطعت تجاوز الأمر، والشروع في كتابة البحث، وتسليمه قبل موعده”.

تداعيات أزمة “كورونا” على صعيد التعليم المصري
وعن تفاعل طلاب الصف السادس الابتدائي بأزمة التعليم في ظل كورونا، يقول “يوسف”، طالب الإبتدائية، “فرحت كثيرًا بالأجازة الممنوحة لنا في البداية لكن سرعان ما اشتقت لأصحابي في المدرسة، ومللت من الحجر المنزلي والتزامي الشديد بسبب الوقاية من الإصابة بفيروس كورونا، في حين أسمع بعدم التزام الناس في الشارع، وتجمع بعض الأصدقاء للعب سويًا”.
وبسؤاله عن البحث، أكد الطالب أنه لا يعلم عنه شيئًا فقد تكفلت والدته بعمل البحث إلكترونيًا وتسليمه بدلًا عنه وهو لم يحاول إطلاقًا؛ مبررًا ذلك بـ”عدم خبرته في ذلك من قبل، وأن موضوع البحث أكبر من سنه”.

وهذا ما أكدته لنا الطالبات “بسملة”، و”ياسمين”، و”ندى”، حيث أشاروا إلى قيام والدتهن بتسليم البحث، وعمله نيابةً عنهن دون أن يعرفن عنه شيء. وحجتهن أنهن لم يقمن بعمل بحث مرة واحدة من قبل في حياتهن.

السوق السوداء حجر عثرة في وجه التعليم المصري

ويأتي الطالب بالصف الثاني الإعدادي “أسامة” ليتحفنا بالمفاجأة أنه قد قام بشراء بحثه من أحد المكتبات بسعر “سبعون” جنيهًا دون أن يعلم ما فيه، ووقد وصل إلى فكرة شرائه بعض رفض إخوته عمل البحث له رغبةً في تنمية مهارات معينة لديه يجب اكتسابها وما عليهم سوى الإرشاد فقط؛ لكنه استسهل، وقال “كل أصحابي اشتروه من المكتبة هتيجي عليا أنا؟ وبعدين أنا وصلت لسعر للبحث حلو قوي أصحابي اشتروه أغلى من كدا كمان”.

وهنا صدمة جديدة واجهت نظام التعليم المصري تتمثل في السوق السوداء للأبحاث التي تظهر جليةً بوجهها القبيح لطلاب الابتدائية والإعدادية، وبسؤال عينة كبيرة من الطلاب تم التأكيد على هذا الأمر بنسبة مخيفة.

وتواصلنا مع أخت “أسامة” الكبرى، فقد أوضحت أنها في محاولة إقناعه بضرورة عمل البحث بنفسه كانت بمثابة “حرب” أعلنتها على نفسها؛ فكل المحيطون بها أنكروا أحقيتها في ذلك، وأوضحوا أن “كل الطلاب أخواتهم، وأمهاتهم يقومون بعمل الأبحاث لهم، إلى أن استقر الوضع على شراء البحث من السوق السوداء مع تصميمي على عدم قيامي بمهام البحث كاملة، والاكتفاء بالمساعدة فقط”.

المعلم والتعليم الإلكتروني وأزمة كورونا

وبالانتقال إلى دور المعلم الحكومي في هذه الأزمة، فقد تم سؤال الأستاذة “صفاء” مدرسة بالمرحلة الثانوية، عن تجربتها في التعليم الأون لاين، والتعامل في ظل الوضع الراهن، وأزمة الكورونا.

فقد ذكرت “أننا كنا أكثر حظًا؛ لأننا كنا نخضع لتدريبات مكثفة على التابلت، وكيفية التعامل مع المنصة الإلكترونية من قبل الأزمة كنا نستعد لبدء التعليم، والامتحان الإلكتروني لطلبة الصف الأول. ففي البداية توقفت الدراسة بالمدارس، وتم عقد الامتحانات أون لاين، وكُلفنا من قِبل المدرسة بمهام التصحيح الإلكتروني”.

وتابعت: “كان الأمر يسيرًا بعض الشيء، فيمكنك العمل بالمنزل بعيدًا عن أي فرص أو احتمالات للعدوى. فكان العمل بأمان كما أننا لم نكن ملزمين بمواقيت محددة مما جعل العمل أكثر أريحية وإنجازًا. كانت تجربة جيدة ينقصها بعض التنقيح لجودة الخدمة والعمل على المنصة”.

كما أعربت “صفاء” عن رضاها بالقرارات التي أقرتها الوزارة من إعطاء إجازة لأصحاب الأمراض المزمنة، ومن لديه أطفال تحت 14 عامًا، وتقسيم العمل في المدرسة إلى أقل عدد ممكن لعدم حدوث تجمعات وانتقال العدوى.

على الصعيد الآخر، اشتكى بعض المعلمين من سوء خدمة الإنترنت في بعض الأماكن مما عسَّر عليهم القيام بمهامهم التعليمية من تصحيح امتحانات الطلاب على المنصة الإلكترونية، وهي ضمن أزمات تقابل التعليم المصري في ظل انتشار الوباء عالميًا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق