سياسة وتاريخ

سوريا فتيل حرب عالمية ثالثة

سوريا الدولة الوحيدة في العالم التي يوجد على أراضيها الجيشان الروسي والأمريكي. ولكن ما لم يتوقعه الكثيرون أن تتحول سوريا إلى ساحة للمواجهة بين أدوات وطائرات الولايات المتحدة وروسيا ليس فقط داخل الأراضي السورية، بل في الساحل السوري والمياه والأجواء السورية.

ستندلع قريباً مواجهة مباشرة بين الطرفين في سوريا،حيث أرسلت روسيا 6 سفن إنزال كبيرة من أسطول الشمال وأسطول بحر البلطيق، التي وصلت إلى المركز اللوجيستي للبحرية الروسية في طرطوس في الأسبوع الأول من شهر فبراير الماضي
فأبرز المناطق التي تعمل المخابرات الأمريكية على استهداف الجيش الروسي فيها هي العاصمة دمشق وريفها، بالإضافة لمنطقة اللاذقية والساحل السوري.

ومؤخراً أن أعلنت روسيا أن لديها المعلومات الكاملة والأدلة الموثقة عن نية أجهزة المخابرات الأمريكية في سوريا العمل مع مجموعات مسلحة متطرفة للقيام بعمليات عسكرية ضد القوات الروسية في سوريا، وفق ما نقلته وكالة تاس الروسية.
وهو ما يعني وجود تعقب لنشاط كل طرف من الجانب الآخر، ولكن ما لم يتوقعه الكثيرون أن تتحول سوريا إلى ساحة للمواجهة بين أدوات وطائرات الولايات المتحدة وروسيا ليس فقط داخل الأراضي السورية، بل في الساحل السوري والمياه والأجواء السورية.

سيناريو المستنقع

أرى أن سوريا لن تصبح “مستنقعاً” لروسيا ولرئيسها فلاديمير بوتين، فيما ردد الساسة الأمريكيون بأن “سوريا ستكون هي فيتنام الروسية أو أفغانستان بوتين”.

بالنسبة لروسيا، قد يتخذ النصر في أوكرانيا أشكالاً مختلفة. كما هو الحال في سوريا، لا يجب أن يؤدي النصر إلى تسوية مستدامة. يمكن أن ينطوي على تنصيب حكومة ممتثلة في كييف أو تقسيم البلاد. وبدلاً من ذلك، فإن هزيمة الجيش الأوكراني والتفاوض على استسلام أوكرانيا يمكن أن يحول أوكرانيا فعلياً إلى دولة فاشلة. يمكن لروسيا أيضاً استخدام هجمات إلكترونية مدمرة وأدوات تضليل، مدعومة بالتهديد باستخدام القوة، لشل البلاد والحث على تغيير النظام.
مع أي من هذه النتائج، ستكون أوكرانيا قد انفصلت فعلياً عن الغرب،وسيواجه زعماء الولايات المتحدة وأوروبا التحدي المزدوج المتمثل في إعادة التفكير في الأمن الأوروبي وعدم الانجرار إلى حرب أكبر مع روسيا.

وسيتعين على جميع الأطراف النظر في إمكانات الخصوم المسلحين نووياً في مواجهة مباشرة. هاتان المسألتان _ الدفاع بقوة عن السلام الأوروبي وتجنب التصعيد العسكري مع روسيا لن تكونا متوافقتين بالضرورة. وقد تجد الولايات المتحدة وحلفاؤها أنفسهم غير مستعدين تماماً لمهمة الاضطرار إلى إنشاء نظام أمني أوروبي جديد نتيجة للأعمال العسكرية الروسية في أوكرانيا. فيجب على الولايات المتحدة وأوروبا أيضاً الاستعداد لاحتمال آخر غير “سيناريو المستنقع”.

ماذا لو انتصرت روسيا في أوكرانيا ؟

ستدرس روسيا أوروبا بحثاً عن أي انهيار في الالتزام بحلف الناتو والعلاقة عبر الأطلسي،وذلك من خلال أساليب عديدة، فستنتهز روسيا أي فرصة تأتي في طريقها للتأثير على الرأي العام والانتخابات في الدول الأوروبية. سيكون لروسيا حضور فوضوي، حقيقي أحياناً ومتخيل أحياناً أخرى- في كل حالة من حالات عدم الاستقرار السياسي الأوروبي. ستكون الولايات المتحدة وأوروبا أيضاً في حالة حرب اقتصادية دائمة مع روسيا.

وسيسعى الغرب إلى فرض عقوبات كاسحة، والتي من المرجح أن تتجنبها روسيا مع الإجراءات الإلكترونية وابتزاز الطاقة والغاز، نظراً للتفاوتات الاقتصادية. قد تقف الصين إلى جانب روسيا في هذه الخطوة الاقتصادية. إذا حققت روسيا أهدافها السياسية في أوكرانيا بالوسائل العسكرية، فلن تكون أوروبا كما كانت قبل الحرب.

لن يقتصر الأمر على تفوق الولايات المتحدة في أوروبا؛ إن أي شعور بأن الاتحاد الأوروبي أو الناتو يمكن أن يضمن السلام في القارة سيكون بمثابة “قطعة أثرية لعصر ضائع”. بدلاً من ذلك، يجب حصر الأمن في أوروبا في الدفاع عن الأعضاء الأساسيين في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. كل من خارج الأندية سيقف بمفرده، باستثناء فنلندا والسويد. قد لا يكون هذا بالضرورة قراراً واعياً لإنهاء سياسة التوسيع أو الارتباط؛ لكنها ستكون سياسة الأمر الواقع. في ظل الحصار المتصور من قِبَل روسيا، لن يكون لدى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي القدرة على خلق سياسات طموحة خارج حدودهما.

السيادة الروسية على أوكرانيا ستفتح منطقة واسعة من زعزعة الاستقرار وانعدام الأمن من إستونيا إلى بولندا إلى رومانيا إلى تركيا. سيعتمد الناتو على دعم الولايات المتحدة، كما سيعتمد على الدول القلقة والمعرضة للخطر في شرق أوروبا ودول المواجهة المنتشرة على طول خط اتصال كبير جداً وموسّع وغير مؤكد مع روسيا، بما في ذلك بيلاروسيا والأجزاء التي تسيطر عليها روسيا في أوكرانيا.تمتلك روسيا أكبر جيش تقليدي في أوروبا، وهو أكثر من جاهز للاستخدام. السياسة الدفاعية للاتحاد الأوروبي على عكس سياسة الناتو، بعيدة كل البعد عن كونها قادرة على توفير الأمن لأعضائها، ولن يكون الرد على روسيا الانتقامية بالعقوبات والإعلان الخطابي عن نظام دولي قائم على القواعد كافياً.

رد فعل عكسي أم إنهيار ذاتي؟

سيواجه الاوروبيون نفس التحدي الذي يواجهونه مع بيلاروسيا: فرض العقوبات دون معاقبة السكان ودعم المحتاجين دون الوصول إليهم. سيعزز بعض أعضاء الناتو التمرد الأوكراني، وسترد روسيا عليه بتهديد أعضاء الناتو. المحتمل أن تكون ساخنة اقتصادياً. لم تكن العقوبات المفروضة على روسيا في عام 2014 شديدة القسوة. كانت قابلة للعكس وكذلك مشروطة. في الوقت نفسه،  سيكون مأزق أوكرانيا كبيراً للغاية، سوف يفر اللاجئون في اتجاهات متعددة، وربما سيكونون بالملايين.

وستواصل تلك الأجزاء من الجيش الأوكراني التي لم تهزم بشكل مباشر القتال، مردداً صدى الحرب الحزبية التي مزقت هذه المنطقة بأكملها من أوروبا أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية.ستؤدي التدفقات الهائلة للاجئين الوافدين إلى أوروبا إلى تفاقم سياسة الاتحاد الأوروبي المتعلقة باللاجئين وتوفير أرض خصبة للشعبويين.

تقسيم الدول الأوروبية عن بعضها البعض

ستكون الكأس المقدسة لهذه المعارك الإعلامية والسياسية والسيبرانية هي الانتخابات الرئاسية لعام 2024 في الولايات المتحدة. سيعتمد مستقبل أوروبا على هذه الانتخابات، وقد يؤدي انتخاب دونالد ترامب أو مرشح ترامبي إلى تدمير العلاقة عبر الأطلسي في ساعة الخطر القصوى في أوروبا، مما سيضع الناتو وضماناته الأمنية لأوروبا في موضع التساؤل والامتحان.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، سيكون لنصر روسيا آثار عميقة على استراتيجيتها الكبرى في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. أولاً_ سيتطلب النجاح الروسي في أوكرانيا من واشنطن أن تركز على أوروبا، ولن يُسمح بأي غموض بشأن المادة 5 من الناتو (من النوع الذي تم تجربته في عهد ترامب). فقط التزام أمريكي قوي بأمن أوروبا سيمنع روسيا من تقسيم الدول الأوروبية عن بعضها البعض. وسيكون هذا صعباً في ظل الأولويات المتنافسة، لا سيما تلك التي تواجه الولايات المتحدة في علاقة متدهورة مع الصين. لكن المصالح المعرضة للخطر أساسية.

هل ستنتصر روسيا بحرب عالمية ثالثة بدايتها في سوريا أم ستدخل إلى باريس في ليلة وضحاها؟؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

مصطفى خالد المحمد

باحث ومحلل سياسي. مختص بالشأن الأوراسي_الأوروبي.
زر الذهاب إلى الأعلى