سياسة وتاريخ

«سوبرمان» السياسة المصرية!

مؤخرا ولعدة ساعات قضيت وقتا “لطيفا” بصحبة كتاب من النادر أن يعثر عليه القارىء إلا عن طريق الصدفة، لأنه مهما بحث عنه لن يجده بسهولة.

الكتاب عنوانه: “الأيام المئة” على هامش التاريخ المصري الحديث، نشرته مكتبة النهضة المصرية عام 1938 في القاهرة، ومؤلفه هو “محمود عزمي”.

أما موضوعه فهو تلك الأيام المائة التي تولى فيها “صاحب المقام الرفيع علي ماهر باشا” رئاسة الوزراء، قبيل وبعد وفاة “الملك فؤاد الأول” وتولي ابنه “فاروق الأول”.

محمود عزمي.. المجهول

“محمود عزمي” اسم يكاد يكون مجهولًا في الوقت الحالي، وربما هناك من يتذكره لمامًا بسبب وفاته “الدرامية” عام 1957، بينما هو يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بصفته المندوب الدائم، وكان فيها يدافع عن حقوق مصر في خليج العقبة، وأصابته نوبة قلبية توفي على إثرها.

لكن في الواقع فإن عزمي كان في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين واحدا من الكتاب والمفكرين النشيطين جدا في المجال العام وبالتحديد في قضايا الديمقراطية والقانون، بل إنه في فترة من الفترات اختارته السيدة “روزاليوسف” لتولي منصب رئيس تحرير المجلة التي كانت تحمل اسمها في بداية صدورها، ثم كان واحدا من المستشارين المقربين جدا من “علي ماهر” باشا عندما تولى رئاسة الوزارة عام 1936، وكان هو -كما ذكر محمد حسنين هيكل في أحد كتبه- من قام بكتابة برنامج عمل تلك الوزارة.

لكن الرجل سريعا ما اختفى من الساحة السياسية والصحفية، ولا يُعرف على وجه الدقة سبب ذلك، فهو في كتابه هذا يقول أنه اعتزل العمل السياسي والصحفي عام 1937 دون أن يذكر السبب، وإن كان الأستاذ هيكل (وهو الوحيد تقريبا الذي ذكره في كتبه واعترف له بالفضل في تكوينه الثقافي والسياسي)ويقول بأن السبب هو زواجه من سيدة بيلاروسية (روسيا البيضاء)، ومع أن تلك الزوجة كانت سليلة أسرة أرستقراطية من عصر آخر قياصرة روسيا وتعادي الثورة البلشفية إلا أن القصر الملكي اعتبرها “شيوعية”، وهكذا وجد “محمود عزمي سقفا على فرصه في الحياة السياسية في مصر).

فيما نعرف فإن الرجل -وقد كان حاصلا على درجة الدكتوراة في القانون من جامعة السوربون- انتسب للسلك الدبلوماسي حتى اختاره جمال عبد الناصر (مؤكد بترشيح من هيكل) مندوبا لمصر في الأمم المتحدة حتى وافته المنية على منبرها، وقد كنت -من أن سمعت عن الرجل- أظن أن إسهاماته الفكرية وكتاباته ضاعت واندثرت حتى وجدت هذا الكتاب أمامي صدفة.

تاليران مصر

أما موضوعه فهو علي ماهر باشا ووزارته الأولى (وقد تولت المسؤولية لمدة 100 يوم بالضبط ومن هنا جاء عنوان الكتاب) و”علي ماهر” واحد من “أغرب” الشخصيات السياسية التي ظهرت في النصف الأول من القرن الماضي وصاحب دور “ملتبس” فيها منذ أن ظهر اسمه على الساحة مع مقدمات ثورة 1919 وطوال العهد الملكي وبدايات عهد الجمهورية، ولعل أصدق وصف له هو ما كتبه “چون هاملتون” المستشار القانوني للسفارة الإنجليزية في نهاية الخمسينيات حيث وصفه بأنه: “تاليران مصر” (يقصد السياسي الفرنسي الأشهر “شارل تاليران” الذي كان وزيرا خارجية لويس السادس عشر قبل الثورة، ثم وزيرا لنابليون بونابرت، وبعد عودة الملكية وزيرا للويس الثامن عشر واستحق لقب “رجل كل العصور”).

قصة حياة علي ماهر تجعله قريبا لهذا الوصف، فلقد بدأ حياته قريبا من سعد زغلول وقت الثورة ثم ابتعد عنه واقترب من القصر الملكي بعدها، وترأس الوزارة الأخيرة في حياة الملك فؤاد ورئاسة ديوان ابنه، ثم رئاسة الوزراء بعد حريق القاهرة (يناير 1952) وبعد الثورة اختاره الضباط الأحرار رئيسا للوزراء (يوليو 1952) وكان هو من أقنع فاروق بالتنازل عن العرش، لكنه سرعان ما فقد الوزارة وقبع في الظل حتى وفاته عام 1960 في چينيف بسويسرا، ناهيك بالطبع عن عشرات الوظائف حيث عمل مستشارا في محكمة الاستئناف ومدرسا في كلية الحقوق.

سوبرمان السياسة المصرية

لا نعرف على وجه الدقة ما هو رأي د. محمود عزمي في علي ماهر ودوره بعد عام 1936، فالكتاب يعرض لسيرة الرجل حتى استقالته، لكن في كل صفحات هذا الكتاب (146 صفحة من القطع الصغيرة) يكاد يصفه بأنه “سوبر مان”، بل يعده واحدا من كبار “الثوريين” في تاريخ مصر، جنبا إلى جنب “لسعد زغلول” و”مصطفى كامل”، ويقول صراحة أنه كان ينوي وضع كتابين عن زغلول وكامل لولا أن سبق عباس العقاد ومصطفى الرافعي بذلك، وهكذا كان دوره في عرض سيرة ومسيرة “علي ماهر”.

إذا أردنا تلخيص الكتاب في كلمات محدودة، فإنه يمكن القول أن محمود عزمي يرى أن علي ماهر باشا منذ ظهوره على الساحة السياسية قبيل ثورة 1919 وحتى عام 1936 رجل “المهمات الصعبة”، حيث كان مبعوث سعد زغلول لنقل رسائله من باريس إلى مصر وقت مؤتمر الصلح، وكان هو “حمامة السلام” بينه وبين عدلي يكن وجبهته، ولما لم يستمع سعد باشا لنصائحه وتوجيهاته، فإن الوفد المصري انشق وانقسم كما هو مشهور، وكان هو نفسه من المنشقين.

لكن ذلك -من وجهة نظر د. عزمي- لم يمنع “الباشا” من القيام بدوره في خدمة الوطن، فكان عضوا في لجنة وضع الدستور (دستور 1923 وكان سعد زغلول يسميها “لجنة الأشقياء”) ثم ظل نجمه، أو بالأحرى “تضحياته” في صعود ومستمرة، فهو الذي كان يواجه السفير الإنجليزي ويتصادم معه حفاظا على مصالح وهيبة العرش والوطن، وكان موضع ثقة مطلقة من الملك فؤاد، حتى أنه -أي علي ماهر- استقبل في قصر عابدين الكاتب الكبير محمود عباس العقاد مع أن الأخير كان من المغضوب عليهم بعد الواقعة الشهيرة، ناهيك طبعا عن إسهاماته في مجالات الصحة والتعليم وحرية الصحافة وتنظيم القضاء وإلغاء الامتيازات الأجنبية، بل إنه كان على وشك إرسال فرقة من الجيش المصري لإثيوبيا بعد احتلال إيطاليا لها ليحفظ حقوق مصر المائية لولا تدخل السفارة الإنجليزية وإقناعه بالعدول عن ذلك(..)

علي ماهر.. السياسة من الكواليس

لا يمكننا بالطبع قبول كل ما جاء في هذا الكتاب، وانطباعي الشخصي أن هدف د. محمود عزمي منه هو تسجيل “بطولات” الباشا الخارق، بل كان (خصوصا في الجزء المتعلق بفترة رئاسته للوزارة) يريد أن يكتب عن نفسه وعن مشروعه، فكما نعرف أنه هو من كتب خطة عمل تلك الوزارة، وكان ذلك دليل ثقة كبيرة فيه، ولا ينكر أحد أنها كانت خطة غير مسبوقة (خصوصا في شقها الاجتماعي)، وأن علي ماهر نفذها بمهارة تُحسب له، لكن الملاحظ وعلى حسب ما قرأت فإن “إعجاب” د. عزمي ب”بطله” لم يستمر بعد عام 1936، حتى أنه اعتزل العمل السياسي والصحفي تماما، وهنا يجب إعادة النظر في دور علي ماهر باشا.

بحسب محمد حسنين هيكل فإن شخصية الباشا كانت مزيجا معقدا فهو لم يمارس السياسة عن طريق حزب جماهيري بل على طريقة “دسائس القصور” المعروفة، بل إنه -نظرا لصدامه مع سعد زغلول ومن بعده مصطفى النحاس كان -مثل عدلي يكن وإسماعيل صدقي وحافظ عفيفي- “يحتقر” الشعب.

ثم إن ممارسة السياسة من الكواليس لها إيجابياتها وسلبياتها على ممارسها أولا، فليس هناك ضمان نهائي للنجاح في “لعبته”، لأن الباب مفتوح لآخرين كي يلعبوا نفس الدور وبوسائل أخرى، وهو ما فعله أحمد محمد حسنين باشا بجدارة، وسحب البساط من تحت أقدام الجميع!

كل هذا بالطبع مع ملاحظة أن مصر وقتها كانت تحت الاحتلال، والكلمة العليا في كل شؤونها كانت للمندوب السامي، كما وضح عند اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939) وكان وقتها علي ماهر هو رئيس الوزراة (للمرة الثانية) وقد خرج منها بناءا على برقية من وزير الخارجية البريطانية نصها أربع كلمات: Aly maher must go (!) وهو ما حدث بالفعل.

لكن هذه النوعية من السياسيين “تدمن اللعبة” حتى النهاية، وهكذا كان حال علي ماهر ،فالرجل اعتقد أنه دائما رجل المهمات الصعبة والمستحيلة، وظل يقدم نفسه بهذه الصفة، وبسبب ذلك التف حوله عدد من الأتباع المخلصين، وكان من بينهم السيدة روزاليوسف التي وصفته يوما بأنه “نمر” السياسة المصرية، لكن كل ذلك لم يكن مقنعا لأحد مع أول اختبار له، من الملك فاروق إلى السفارة الإنجليزية إلى الضباط الأحرار، ومن حسن الحظ أن د. محمود عزمي اكتشف ذلك مبكرا على الرغم من كتابه “اللطيف” عنه!!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق