مدونات
أحدث المقالات

سنُقرئُ موتانا السلام

قبل أن تقرأ (علیك أن تکون ممتنا للغائبین لا للحضور)، لکي تعي کیف لجسد کان ینبض بالحیاة.. أن ینضح بالموت. بل وتدرك جیدا أن ما یفصل بیننا جسر فقط، سنعبره جمیعا.. لکم تمنیت أن یطلق سراحی لأستریح، فقد آن للغریب أن یعود لرحم أمه..

هذا الصباح کان یشبه وجه أمي کثیرا.. یحمل رائحة موتها ویطل علي من نافذتي یحمل ذاکرتي – التی لم تنسها أبدا- یحملها علی التوقف حتی تنتزع فتیل البکاء المهیأ دوما لیضع روحي تحت وطأة الشجن.. وکأنما الوقت یخبرنی بأنني ومنذ لحظة میلادي موضوعة تحت القامة الجبریة للموت وقید تصرفه.. رائحة جسدها تملأ ذاکرة الأنف وبرودة الصباح – رغم الصیف – لکنها ترجف الجسد. حتی ذلك الضوء المنبعث من الشمس کأنما یسری علی استحیاء ابنتا “شعیب”. وأنا أسبح بروحي فی اتجاهه .
لم تغادرني أبدا وکأن صدري کان قبرها ترقد فیه بسلام وطمأنینة.وأنا ألقي علیها السلام فی کل التفاتة مني .
أجد مشقة في أن أغلق عیني.. فأینما ولیت وجهی لاح لي وجهها فأخشی أن تطرف أجفاني فتظن أنني أتجاهلها.. أتلمس قلبي کثیرا حتی اطمئن أنها هناک وأطمئن علی نفسي فیه.. نعم فالموتی هم مصدر الطمأنینة للأحیاء وخط الدفاع الأول لبقاءهم علی قید الحیاة.. قد یتعجب البعض لذلک ولکنها الحقیقة ..فعندما یرحل من نحب تقتلنا الحیاة بثقلها ونظل نتجرع مرارة الوقت المستقطع بدونهم فنهرب ألی نوم أشبه بالموت.. نوم افتراضي کعالم افتراضي ننسجه لأنفسنا لا حدود فیه، إنما فقط هو مرحلة وسطی وعالم خفي نتستر به عن عیون الأحیاء لنلتقي بمن رحلوا …عالم تتشابک فیه الأماکن کنسیج وأنا أتمسک به لینقلنی کیفما شاء …تخف أجسادنا حتی تکاد لا یراها أحد غیرنا وتتبدل ملامحنا کأننا نتنکر کي لا یعرفنا الوقت.. لکنه یکون کریما معنا إذ یغض طرفه عنا عن قصد ویسمح لنا بأن ننسرق منه مدعین أننا قد غافلناه.. إلی حیث لا مکان یحدنا ولا زمان یحیط بنا ولا بشر یعرف أین نحن.. نغافله لنلتقي وأعود إلی هیئتي الأولی عندما کنت أسمي الاشیاء بمسمیاتها الحقیقیة …أعود إلی براءتي التي سرقت مني في حیز الزمن الوهمي هذا الذي ندعي عن طریق الخطأ أن اسمه (حیاة) .
وأبقی علی تلك الهیئة الی ما شاء الوقت فیترک لنا مساحة لا بأس بها نفرغ طاقة الوجع التي تملأ أرواحنا… وکأنما نغتسل فی بحر طهارة الموتی عندما نلتقیهم خفیة .
و نتبادل فیما بینا صك التراحم والمودة الذي یکتب ما بین الموتی والأحیاء هذا الذي یتیح لکلینا حریي زیاري الاخر وقتما یشتاق دون قید أو شرط ,, هم أکثر وفاء لنا في موتهم عما نکون نحن لهم فی حیاتنا….نحن الموتی فی غیابهم لو أنهم یدرکون..
فما الموت الا تقیید للروح والارادة وها نحن نموت کل لحظة من سوء اختیاراتنا و سوء توقعاتنا وخذلان الاخرین لنا.. صدیق یغدر.. أوحبیب یهجر.. أو ابن یتنکر أو زوج یتکبر.. فهل بینکم أنتم یا من نسمیکم عن طریق الخطأ “موتی ” هل یحدث معکم مثل تلك الأشیاء.. لعل الناس تدرك الان أنهم هم الموتی و أنکم أنتم الأحیاء. هناك في هذا العالم “البیني” حیث تنشط حواسنا الخمسة بل وتکون أکثر تمییزا للأحداث کزهرة عباد الشمس تتبع سید عناصر الکون ” الضوء”، في کل صبح أینما ذهب… کذلك هي حواسنا الخمسة تزداد انتباها فی حضرة احبتنا لتتشبع بهم فتملأ عیوننا بصورهم و یتدفق بأوردتنا حب یفیض علی القلب نقاء.. وتملأ اذأننا بصوت خلنا أنه غاب فتختلج جوانب روحنا بحنین تجهش له کل خلایا أجسادنا بالبکاء حتی کأننا نتبدل تبدیلا لطیفا لا یخفی علی موتانا الأحیاء. هکذا یکون حالي معهم ولا أدرك لحظة الحضور من منا فی عالم من؟ لم تعد ترضیني رؤیة تلك الصور التي کانت تجمعنا فی لحظة سعادة.. فالصور تحمل فی طیاتها نصف الحضور.. وأنا ما عاد یرضینی سوی حضور مکتمل یشبع شبق الذاکرة ویسد علی الوجع مداخله کي لا یتسرب الی حائط الروح فیحدث فیه شروخا لا تلتئم .نعود منهم ونحن ممتلئین بهم حد الثمالة ونفترق علی موعد لقاء جدید و وعد منا لهم بأننا حین نعود للدنیا سنقریء علی أحيائنا الموتی السلام.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أمينة مرجان

كاتبة اهتم بالموضوعات الإنسانية،اري الجمال في كل شيء حولي. تستهويني الكلمات البسيطة لأغزل مفرداتي الخاصة بي،،،اغرد في سماوات الله الواسعة لأفتش عن ابجديات الجمال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى