مدونات

سنة جديدة من الوهم

بأية حال عدت يا عيد؟

بعد رحيل سنة 2018 بقرابة شهر والطبيعة تقترب من طيّ إحدى صفحاتها المعتادة سواء بتفعيل أزرار مضخّم الصوت الخارجي بنحو أكثر قوة وانفعالا أو أكثر لطفا واعتدالا. وأوراق الخريف تشرف على الاصفرار والتساقط باسم الأحبّة والموتى. تعاودني كلمات شاعر السيف والقرطاس الذي ملأ الدنيا وشغل الناس: أبو الطيب المتنبي؟

عيدٌ بأية حال عدت يا عيد                             بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ

أمّا الأحبّة فالبيداء دونهم                              فليت دونك بيداً دونها بيدُ

تستعدّ المخيّلة لتصوّر إشراقة الصباح وتستعيد بعضا ممّا فات فكأنها نصف حركة ونصف جماد يقتات من عنوان باهت وميّت اسمه الذكريات. هل يمكن الثقة مجددا بالأعياد؟ ألم تُعدم عروبتنا ذات عيد؟

لقد تغيرت نظرتنا للوقت والأمكنة والتاريخ ولم نعد سنبلة في مهبّ الريح تعبث بنا الكلمات والأصوات والقنوات. لقد خدعونا يوم علمونا أن الحياة كرة بيد أنثى تغني وتنتشي. لقد خدعونا طوال السنوات الماضية وجعلونا عبيدا لصندوق الحكايات الذي يختفي خلفه مخابر تجارب وإشاعات يوجّه العقول والأيادي نحو مشاريع مسرطنة الأفكار والاختيارات.

تكتسحني لحظات حرجة وطقوس غريبة أرفض فيها مخاطبة الأخر وأركن مشكّكا في كل النظريات التي درستها وأُخيّر مراجعتها لتأسيس “مملكة الحقيقة”.

هذه الإحداثيات الجغرافية التي رسمها العلماء على الخرائط والتي  تنقسم إلى خطوط طول وخطوط عرض هي في حقيقة الأمر مجرّد أشكال وخطوط وهمية خدعنا بها العلماء بتعلّة تحديد المواقع على سطح الأرض.

وهاتان إفريقيا وآسيا قارتين بحدود اصطناعية وأرخبيلية التقسيم وقعت تحت تصرّف إنساني هدفه تشتيت الأمة العربية وإجهاض كل محاولة للتكتل والانصهار أحدثها المستعمر بطباشير ملوّنة لخدمة مصالحه الشخصية واستغلال هذه الدويلات وامتصاصها. إذن نحن أمام حدود وهمية لغايات إنسانية شيطانية بحتة.

زرع الأسطورة والخرافة في العالم العربي واللّعب على العقول فهذه مثلا الملكة “علّيسة” التي أسست قرطاج سنة 814 قبل الميلاد لا تعدو أن تكون إلا خرافة متقنة الصنع.

خرافات تملأ الأوطان والأذهان يعجز معها الإنسان على الفعل والعطاء ويتبنى في المقابل سياسة التواكل والكسل والانتظار.

العمل الفني مرتبط بنسبة التعري والجانب الإباحي فيه؛ لأن ذلك فيه ارتباط وثيق بالجوائز والتمويل الأجنبي. بمعنى آخر أعطني مالا أعطيك عراء. إذن أصبح مقياس العمل الفني الناجح سواء كان مسرحا أو شعرا أو قصّة والذي يحدد تواجده في المهرجانات الدولية والعالمية هو مدى تواجد هذه الحرية المزيفة والوهمية والتي ترمي إلى جلب الشاب العربي وزرع بذور الفساد والانحطاط لديه وتهشيم مفهوم الأسرة المحافظة والملتزمة وقتل صورة الأب والأم. إذن نحن أمام وهم من نوع آخر يقتل الخلايا فيهدم العائلة والمجتمع.

 

هذا التاريخ المزيّف والمغذّي للذاكرة الوطنية والمشجّع على تصديق الخوارق وانتظار البطل المغوار منقذ الأمة الإسلامية. هذا جزء من خرافة مقدّسة تنام في عروبتنا وتتناقل بين الأزمان وتنصهر شيئا فشيئا لتصبح حقيقة وواقعا عشناه ونعيشه وسنعيشه.

دعنا اليوم نسطّر معا مملكة الحقيقة القائمة على أهم نظرية علمية وهي “نظرية حواسك بين يديك” فهي أهم نظرية نبعثها مع بداية سنة 2019. الركن الأساسي والجوهري لهذه النظرية يقوم على حاسة سادسة أساسية وهي حاسة الشعور عملا بالتالي “إيمانك وشعورك في سبيل معرفتك وعلمك” وبدرجة اقلّ حاسة البصر مالا تلاحظه لا تصدقه”.

اعتليت فراشي هذه الليلة باكرا طمعا في الانفراد بذاتي فاستعيد معها سنة من العمر قد ذهبت وأخذت معها قليلا من النظر والشباب وزادتني 365 شيبة جديدة في الركض حول طلبات الأبناء ومتطلبات الحياة. الرحلة متواصلة رغم تهديدات المرض وفقدان صلاحية بعض أعضاء الجسم وصداقة الأطباء وزيارتهم.

سنوات العمر تمضي بسرعة دون استئذان في غفلة منا تلاعبنا وتسافر بنا في عالم الأحلام والأوجاع فلا نستفيق من هذه العجلة اليومية المستمرة إلا وقد فقدنا نسختنا الأصلية واندمجنا مع آلة الطباعة نكرر نفس الأفعال ونقف متى انتهى الحبر ونفذ دون تفكير.

النسخ الأصلية تحافظ دائما على بريقها وتكشف عن نفسها من خلال الختم والإمضاء ونحتاجها دوما مهما افترقنا. إنّ المشهد الأصلي لا يمكن أن يتكرر بنفس الدقة والحرفية لكن النسخ الاحتياطية تبقى دائما قابلة للتداول والتصرف لكنها في نفس الوقت ملزمة باصطحاب الأصل للتعريف بها.

سنة رحلت وقفلت معها قارورة الانتظار والاعتذار وغيّرت فيها العنوان بحثا عن مكان تسكنه الحجارة والحيوان والأشجار. أعدّ فيها كلماتي وامشي على أطراف أصابعي خوفا من ضجيج يستبيح وحدتي ومن سؤال يدمّر راحتي. كم بقي في العمر من سنة أخرى؟

حين أفكر في الإجابة يصيبني الشلل والانهزام والموت وتأخذني الذاكرة ليوم كنت فيه عبدا للأشياء من حولي أختزل الدنيا في نشوة المرارة والوجع وابحث بين الثنايا عن طريق يسكنه الشيطان.

سنة أخرى تمرّ في غفلة مني تمتهن سرقة المشاهد الجميلة التي تكاد بقاياها تنحبس داخلي وتلعب معي لعبة الاختفاء فينة والظهور فينة أخرى. فتظل نشوتها حقنة مخدر ترحل بجسدي وفكري نحوى السراب. سنة تمرّ كسفينة الأيام تعبر مياه المتوسط فلا تترك خلفها سواء خطوط متموّجة بلون زبد البحر سرعان ما تتلاشى كأنها لم تمر من هذا المكان. فأما السفينة فهي السنة المتوفاة وأما البحر فهو الحياة وعمر الإنسان وأما التموج المندثر فهو ما تحدثه الأيام من شرخ ينقضي رويدا رويدا بالنسيان. أيّ قيمة للوقت والتوقيت؟

إنّ التقدم في العمر يكسبك نظرة أخرى للأشياء قد تغير فيك انحناء سقطت فيه.

مع مرور كل سنة تتغير أماكن الأشخاص من حولك من كان في المرتبة الأولى تدحرج إلى الثانية أو الثالثة أو سقط في سلة المهملات. قد يقفز صاحب المرتبة الأخيرة إلى المنصة وذلك وارد جدا. لكن المواقف والقرارات هي التي تحدث الفارق وذلك مرتبط أشد ارتباط بالحالة والظروف الذي تعيشها. لماذا حين أبحث عنك لا أجدك!

إذا تزامن رحيل سنة 2018 مع نهاية عديد الأحداث بجميع المجالات وإعلان بدايات جديدة وفرصة أخرى للإصلاح والتغيير.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

ابراهيم الشخّاري

كاتب تونسي ورجل قانون يسافر باستمرار بين البحث في الجريمة وبين عشق الطبيعة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى