سياسة وتاريخ

سم الانبطاح في عسل الدين

بينما يحاول العرب والمسلمون التعافي من الطعنة الإماراتية في ظهر فلسطين وأهلها، طعنوا طعنة جديدة لكنها أشد إيلاماً بكثير من الأولى فهي لم تأت من مكان عادي بل من مكان له قدسيته وأهميته الروحية لخُمس سكان المعمورة: إنه بيت الله الحرام في مكة المكرمة، في خطبة السديس يوم الجمعة الماضية.

خرج عبد الرحمن السديس، إمام أطهر بقعة في الأرض، في خطبة الجمعة الماضية، يتحدث عن عقيدة الولاء والبراء، لكنه بدلاً من توضيحها لمن لا يفهمها أو لا يعرفها من المسلمين كليةً ألبس على الناس دينهم ونفث سموم السياسة فيها بشكل أثار غضب الملايين من رواد مواقع التواصل الاجتماعي؛ لما وجدوه في خطبة الجمع الماضية من مغالطات ترقى لحد التحريف والخيانة.

صوّرت خطبة السديس رجل العائلة الحاكمة أن المسلمين يخلطون بين عقيدة الولاء والبراء بمفهومها القلبي وحسن التعامل في العلاقات الفردية والدولية، وتناول سماحة النبي -ص- مع يهود المدينة وكيف تعامل معهم بتعاليم الدين السمحة، وروى القصة المكذوبة عن جار النبي اليهودي الذي كان يؤذيه وعندما توقف ذات يوم عن إيذائه زاره النبي في بيته ليجده مريضاً مما كان سبباً في إسلامه.

عرج السديس بعد الجزء الأول من عرض بضاعته، لبيت القصيد وهي طاعة ولي الأمر ووجوب امتثال المسلم لما يقرره حاكمه، معتبراً ذلك عين الصواب لحماية البلاد الإسلامية من الفتن مقاومة للخوارج والجماعات الضالة ومن أسماهم جماعات العنف المسلحة. وكنوع من تخفيف أثر الصدمة لمن استمع لخطبته المشينة اختتم السديس حديثه بالتأكيد على مركزية القضية الفلسطينية لدي القيادة السياسية دون “مزايدات اللجان الإليكترونية”

يرى كل من له عقل وكل من تابع ولو لقطات من خطبة السديس أن الرجل يمهد للتطبيع بين نظام بلاده الحاكم خاصة بعدما تسربت الأنباء خلال الأعوام الماضية عن علاقات بن سلمان مع قوى الضغط الصهيونية في أمريكا وزيارات حاكم السعودية الفعلي لدولة الاحتلال وتعنيفه لسلطة رام الله على إضاعتها فرص كثيرة خلال الأربعة عقود الماضية لحل القضية الفلسطينية مؤكداً على أن قضية فلسطين لم تعد أولوية للعائلة المالكة.

كما فتح النظام السعودي مجاله الجوي للطيران الإسرائيلي ليعبر للإمارات، كما سربت الإدارة الأمريكية عمداً إشارة جاريد كوشنير مهندس صفقة الانبطاح على بن سلمان لقاء بنيامين نتانياهو غير أن الأخير رفض خوفاً من تدهور الأوضاع المتدهورة أصلاً بما يكفي في بلاد الحرمين.

وليس من المستغرب استعانة العائلة المالكة برجال الدين، أمثال السديس للترويج لاستسلام النظام الحاكم للدولة العبرية، فالقائمون على الحكم يعلمون تأثير الدين على الناس لكنهم ويا للأسف ما زالوا يعتقدون أنهم يعيشون في عصر الراديو أو التلفاز الحكومي وليس في عصر الإنترنت والإعلام البديل الذي فضح زيف ادعاءات تلك الأنظمة وكشف تضليل مؤسساتها الدينية.

ما حدث من خطبة السديس وما سيحدث ممن على شاكلته هو محاولة محكوم عليها بالفشل لتمييع شعائر الدين بما يخدم بقاء الحاكم ومصالح حاشيته بصورة تجعل كل من يرفض هذا الخنوع خائناً للبلاد وربما مرتداً عن الإسلام والعياذ بالله، لكن لا يدرك هؤلاء أنهم وأرباب نعمتهم يسيرون في طريق نهايتهم، فتعاليم الدين واضحة وأولها ألا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

اقرأ أيضًا: التطبيع الإسرائيلي ثمن الحكم البخس

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق