سياسة وتاريخ

سماحة الإسلام بين انتشار الدين واحترام العقيدة

إن ما دعاني إلى الحديث عن سماحة الإسلام مع غير المسلمين، ما نلاحظه كثيراً من تهمٍ توجه إلى المسلمين بأنهم نشروا الإسلام بحد السيف، وأنهم أجبروا أهل البلدان على الدخول كرها في الإسلام، فأردت عقد مقارنةٍ بين المسلمين وغيرهم؛ للنظر بعين العقل الحاكم أينا أهدى سبيلًا.

الإسلام يحترم العقل الإنساني

فالإسلام يحترم العقل الإنساني ويقرُّ بالاختلاف بين البشر كما قال الله تعالى: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين”، وكثيرًا ما حدّثنا الله تعالى عن هذا الاختلاف,، فنجد ذلك في سورة “البقرة”، و”آل عمران”، و”المائدة”، و”يونس”، و”هود”، و”النحل”، و”الحج”، و”النمل”، و”السجدة”، و”الشورى”، و”الجاثية”؛ فالاختلاف سنة الله في خلقه، فلا بد من احترام هذا الناموس.

وهذا العقل البشري، أبى الله تعالى أن يُغلَّه بأي غلٍّ من الإكراه فقال الله تعالى: “لا إكراه في الدِّين قد تبيَّن الرشد من الغي”، كما قال الله تعالى: “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره النَّاس حتى يكونوا مؤمنين”.

نماذج لسماحة الإسلام مع الآخرين

وتطبيقًا عمليًا لهؤلاء الآيات فقد كان النبي صلّى الله عليه وسلم سمحًا مع غير المسلمين، وما أكثر الأدلة التاريخية التي تنقل لنا سماحة الإسلام والنبي صلّى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده مع غير المسلمين، في ضمان حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، ومن ذلك:

  • لم ينقل لنا التاريخ أن النبي صلّى الله عليه وسلم ولا أحدًا من الخلفاء الراشدين أكرهوا أحدًا على اعتناق الإسلام.
  • عقد النبي صلّى الله عليه وسلم مع قبيلة تغلب عام تسعة من الهجرة معاهدةً أباح لهم فيها البقاء على نصرانيتهم.
  • صالح النبي صلّى الله عليه وسلم نصارى نجران، وتركهم أحرارًا في عقيدتهم.
  • مصالحة النبي صلّى الله عليه وسلم لليهود في خيبر، وتركهم وما يدينون به.
  • السماح لمجوس نجران وهجر وعمان والبحرين بالبقاء على مجوسيتهم.
  • أوصى سيدنا أبو بكر قادة الفتوح بعدم التعرض للعباد بأذى حيث قال: “وإذا مررتم بقوم فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له”، وفي خلافته عاهد خالد بن الوليد أهل الحيرة على ألَّا يهدم لهم كنيسة، وعلى ألا يمنعوا من ضرب نواقيسهم أو إخراج الصلبان في يوم عيدهم.
  • أعطى عمر بن الخطاب رضوان الله عليه “أهل إلياء” أمانًا على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم، وألا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها.
  • كتب عمرو بن العاص بيده معاهدة تنص على حماية كنائس الأقباط، وكتب أمانًا للبطريق “بنيامين” ورده على كرسيِّه بعد أن تغيب عنه ثلاثة عشر عامًا، وأقطع عمرو بن العاص ومَسلمة بن مخلد الإقطاعات للأقباط شرق النيل، وبَنوّا عليها الكنائس التي ما زالت موجودة حتى يومنا هذا، بعد أن أحب الأقباط مجاورة المسلمين لما رأوا من حسن معاملتهم.

شهادات غير المسلمين على سماحة الإسلام

  • ما ذكره “السير توماس أرنولد أن بعض الخلفاء أمروا ببناء كنائس في الشام والعراق وشمالي الجزيرة ومصر، وأنفقوا عليها، وما زال بعضها قائمًا حتى اليوم، ككنيسة [أبي سرجة] التي بنيت في الفسطاط في العهد الإسلامي الأول.
  • وتسامح الإسلام عبر عنه القس “ميشون” في كتابه “سياحة دينية في الشرق”، فقال فيه : “إنه من المحزن أن يتلقى المسيحيون عن المسلمين روح وحسن المعاملة”.
  • كما ذكر “ميشو” في “تاريخ الحروب الصليبية” أنَّ عمرًا لما استولى على مدينة أورشليم لم يفعل بالمسيحيين ضررًا مطلقًا، ولكن لما استولى عليها الصليبيون قتلوا المسلمين ولم يشفقوا.
  • كما ينقل لنا “الكونت هنري دي كاستري” أنَّ المسلمين أبقوا سكان الأندلس على دينهم وشرعهم وقضائهم وقلدوهم بعض الوظائف، حتى كان منهم موظفون في خدمة الخلفاء، وتولد عن هذه السياسة الرحيمة انحياز عقلاء الأمة الأندلسية إلى المسلمين، وحصل بينهم زواج كثير، وهذه شهادات لو تتبعناها لجفّ المداد على كثرته وسعته عن حصرها.

انتشار الإسلام في أفريقيا وجنوب شرق آسيا

وهذه البلدان بها أكبر تكتلات للمسلمين، ومع ذلك ما سمعنا ولا نقل أحدٌ أن المسلمين دخلوها بسيفٍ، ولكن التُّجار المسلمين حين احتكوا بأهل هذه البلدان ورأوا منهم سماحة الإسلام في تعاملاته واحترامه للنفس الإنسانية، إذا بهم يعقدون مقارنات عقلية بين أديانهم الزائفة التي لا تحترم عقلًا ولا إنساناً، والتي تنادي باستعباد البشر وتقسيمهم إلى طبقات، فسارعوا إلى تلبية نداء الفطرة في نفوسهم.

الإسلام في هذا العصر

ينتشر الإسلام حاليًا في كل أرجاء المعمورة، وذلك بقوته الذاتية التي تخاطب الفطرة والعقل معًا، ولعلنا قلَّ أن نشاهد هذا الضعف والتدني الذي وصل إليه المسلمون، وفوق ذلك تتعاقب الاتهامات وتتتابع على الإسلام بأنه دين إرهاب وعداء، وكل هذا لا يمنع التمدد الذاتي للإسلام.

محاكم التفتيش وإبادة المسلمين

بعد سقوط غرناطة سنة 1492 من الميلاد، أُجبر المسلمون على التعميد واعتناق الديانة المسيحية، وهو ما يطلق عليه مصطلح “الموريسكيين”، ثم عقدت محاكم التفتيش التي استمرت حتى سنة 1834، حيث أجبر الموريسكيون على شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، وحرم عليهم الختان وممارسة الشعائر، وكان من يخالف ذلك يُقتل هو وأهل بيته، ومورست ضد المسلمين الموريسكيين أبشع ألوان التعذيب، ثم كان أن طُردوا جميعًا من بلاد الأندلس.

وما زالت متاحفهم في قرطبة وآلات تعذيب المسلمين شاهدة على حقدهم وعنصريتهم وعدائهم، بل فوق ذلك فإن البابا “يوحنا الثالث والعشرين” منح”خوان دو ريبيرا” المسئول الأول عن تعذيب المسلمين وطردهم لقب القديس في العقد السادس من القرن الماضي، فبعد كل هذه الفترة ما زالوا يتباهون بما صنعوا بالمسلمين.

وهذه فقط بعض الأمثلة التي تدل على أن الإسلام لا يعرف الإكراه على الدخول في الإسلام، وأن هذه الفتوحات -والتي نؤكد أن المسلمين اضطروا إلى خوض حروبها- كانت مهمتها فقط ترك الإنسان حرًا في ممارسة أيَّ عقيدة شاءها.

اقرأ أيضًا:

الحرب في الإسلام: ما بين غزوة وفتح ودعوة

الفتوحات الإسلامية والغزو الإمبريالي للعالم

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

سعيد عبدالخالق طه

عضو المركز الإسلامي المصري بدار السلام تنزانيا ليسانس اللغة العربية جامعة الأزهر عضو المركز الإسلامي المصري بتزانيا أؤمن أن لشريعتنا الإسلامية فلسفة لا بد أن تدرك نقدم رؤية لا أكثر
زر الذهاب إلى الأعلى