سياسة و تاريخ

“سليماني”.. قربان تحالف مع الشيطان الأكبر

حبس العالم أنفاسه منذ الثالث من يناير الجاري، واعتبر كثير من المحللين السياسيين أن ما قبل ذلك التاريخ ليس كما بعده؛ فقد توترت الأجواء في الخليج خاصة، وفي المنطقة العربية عموماً، بعدما اغتيل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، وبصحبته عدد من ضباط الحرس الثوري الإيراني، والحشد الشعبي العراقي، ونائب قائد الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، على طريق مطار بغداد فجر الثالث من هذا الشهر في ضربة موجعة لنظام ملالي طهران.

بدأ مشاهدو النشرات الإخبارية في أنحاء العالم يتسائلون حول الجهة التي تقف وراء مقتل عسكري إيراني بثقل سليماني، حتي قطعت الخارجية الأمريكية قول كل خطيب بإعلانها وقوف واشنطن وراء مقتل سليماني، وخرج دونالد ترامب ليعلن أن سليماني قتل في غارة بطائرة بدون طيار نفذتها المخابرات الأمريكية، واصفاً سليماني بالإرهابي الذي قتل آلاف الأبرياء في الشرق الأوسط، ومتذرعاً بنية سليماني في قتل مواطنين أمريكيين في عمليات إرهابية دفعت سيد البيت الأبيض لاتخاذ القرار بتصفيته.

لا يختلف اثنان على جلل مصاب نظام الولي الفقيه بمقتل سليماني، فالعسكري المغدور كان الرجل الثاني فعلياً في نظام آيات الله بعد مرشد الجمهورية علي خامنئي، وليس رئيس الدولة حسن روحاني -وإن كتب ذلك في الدستور الإيراني- وبدت أهمية سليماني واضحة في تصريحات القادة الإيرانيين العسكريين منهم والسياسيين المتوعدين واشنطن بالويل والثبور وعظائم الأمور.

فقائد فيلق القدس المغتال كان ابناً مخلصاً للنظام الإيراني الذي أسسه آية الله الخميني فى فبراير 1979، وشارك كما أغلب القيادات الإيرانية في حرب الثماني سنوات مع العراق كجندي من جنود الحرس الثوري، وأعلن بشكل لا لبس فيه في مقطع فيديو متداول على اليوتيوب أن هدفه ورفاقه إعادة تدشين الامبراطورية الفارسية التي لم يتبق منها سوى الأطلال على حد وصفه، ومن هنا برز اسم سليماني كابن بار لنظام العمائم السوداء.

كوفئ سليماني على إخلاصه للنظام بترقيته أوائل 1998، ليصبح قائد فيلق القدس المسئول عن المهام الخارجية للنظام الإيراني، كتدريب الفصائل المسلحة العميلة لإيران، وتصدير الثورة للجوار الخليجي والإقليمي، حتى إنشاء الامبراطورية الفارسية الموعودة، وكان سليماني همزة الوصل بين الولايات المتحدة وإيران خلال حربي أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 والأخيرة كانت سبباً في ذيوع صيته.

في بلاد الرافدين مهد سليماني التربة لسيطرة إيران على العراق ما بعد صدام، فقد درب فرق الموت الشيعية التي ذبحت سنة العراق دون رحمة، كفيلق بدر، وجيش المهدي، وأشرف بنفسه على تعذيب وتهجير سكان المحافظات السنية لإحلال الفرس والشيعة محلهم خلال أكذوبة الحرب على داعش، تحت سمع وبصر وموافقة الولايات المتحدة، ونفس الدور قام به سليماني في سوريا بزعم القضاء على الإرهاب الذي يهدد نظام بشار الأسد وبرضًا أمريكي.

لكن كان هناك في الداخل الإيراني، وبالتزامن مع قدوم إدارة دونالد ترامب التي ضيقت الخناق على إيران، وألغت الاتفاق النووي الموقع في 2015، وفرضت عقوبات اقتصادية شلت قطاعي المصارف والنفط، أن سليماني يتحمل جزءًا لا بأس به من الحال المزرية التي وصلت إليها إيران، خاصة مع تصنيف خارجية ترامب الحرس الثوري كمنظمة إرهابية، ووضع اسم سليماني في قائمة الشخصيات الداعمة للإرهاب .

من هنا خرجت تحليلات مفادها أن إيران تواطأت مع واشنطن في التخلص من سليماني؛ لتدشين عهد جديد من التفاهم بين البلدين كان يعرقله سليماني ومن على شاكلته من قيادات الحرس الثوري، ودليلهم الأبرز على ذلك هو الرد الأمريكي الهزيل على مقتله، وإعلان طهران وواشنطن أن لا نية لهما لتصعيد التوتر بينهما، وهكذا أضحى سليماني قرباناً على مذبح التقارب بين الشيطان الأكبر وأحفاد كسرى.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق